ويزيد إعرابًا عن كون الحرية من أصول الإسلام قوله _ تعالى _ في وصف محمد"ووصف أتباعه: [الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ] الأعراف: 157."
فالإصر: هو التكاليف الشاقة، والأغلال: غير الإصر؛ فهي مستعارة للعبودية التي كانوا عليها في الجاهلية وهي عبودية الأصنام وسدنتها، وعبودية الملوك، وعبودية القادة أصحاب المرابيع (1) .
ومما يزيد هذا بيانا قول عمر لعمرو بن العاص في قصة ولده الآتية: =متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا+.
طرأت على الحرية الفطرية وسائل الضغط من القوة والتسلط، فَسَخَّرت الضعيفَ للقوي، والبسيطَ للمحتال وزادت هذا التسخير تمكنًا التعاليمُ المضللةُ وهي أساطير الوثنية، والشرك، والكهانة، فجاء محمد"يضع عنها الأغلال إلى الحد الذي تصير به نفعًا ورحمةً قال _ تعالى _: [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (107) ] الأنبياء:107"
لا تتحقق حرية تامة في نظام البشر؛ لأن تمام الحرية هو الانخلاع عن جميع القيود، وعن كل مراعاة للغير بأن يعيش المرء عيشة الوحوش، وذلك غير مستطاع إلا فيما تخيَّله الشنفري إذ يقول:
ولي دونكم أهلون سِيْدٌ عَمَلَّسٌ ... وأرقط زهلول وعرفاء جيأل (2)
هم الأهلُ لا مستودع السر ذائع ... لديهم ولا الجاني بما دان يعزل
(1) المرابيع: جمع مرباع، وهو ربع الغنيمة كان يأخذه سيد القبيلة حين يُغير بها.
(2) السِيْد: الذئب، والعملس: السريع السير، والأرقط: النمر؛ لأن فيه نقطًا بيضًا وسودًا، والزهلول: الأملس، والعرفاء: الضبع؛ لأن لها عرفًا من الشعر، والجيأل: اسم للضبع.