إذا تربينا في بيوتنا على محبة الأنظمة الإسلامية، وتأصل ذلك في أذواقنا وميولنا، وتعودنا العمل به في مختلف ضروب الحياة _ فشا العمل به حينئذ من البيوت إلى الأسواق، والأندية، والمجتمعات، ودواوين الحكم، ولا يلبث الوطن كله بعد عشرات قليلة من السنين أن يتحول من وطن عاص لله إلى وطن مطيع لله، ومن وطن تسود فيه الأنظمة التي يسخطها الله إلى وطن تسود فيه الأنظمة التي أمر بها الله.
نحتفل بذكرى الهجرة في كل سنة، ونتكلم فيها عن الماضي ولا ننتفع بها في الحاضر.
ولو أننا فهمنا الحكمة التي انطوت عليها حادثة الهجرة، وعلمنا أن كتاب الله الذي نتلوه قد أنحى باللائمة على جماعة من أصحاب رسول الله"كانوا في مكة يصلون ويصومون ولكنهم ارتضوا البقاء تحت أنظمة تخالف الإسلام، فلا قوة لهم على تغييرها، ولم يهاجروا إلى قلعة الإسلام ليكونوا من جنودها المتحفزين لتغيير تلك الأنظمة _ لعلمنا أن الإسلام لا يكتفي من أهله بالصلاة والصوم، بل يريد منهم مع ذلك أن يقيموا أنظمته، وآدابه في بيوتهم، وأسواقهم، وأنديتهم، ومجامعهم، ودواوين حكمهم، وأن عليهم أن يتوسلوا بجميع الوسائل لتحقيق هذا الغرض الإسلامي بادئين من البيت، وملاحظين ذلك في تربية من تحت أمانتهم من بنات وبنين، ومتعاونين عليه مع كل من ينشد للإسلام الرفعة والازدهار من إخوانهم، حتى إذا عمَّ هذا الإصلاح أرجاء واسعة تلاشت تحت أشعته ظلمات الباطل، فكان لهذا الأسلوب من أساليب الهجرة مثل الآثار التي كانت لهجرة النبي"وأصحابه الأولين.
روى مسلم في كتاب الأمارة من صحيحه عن أبي عثمان النهدي أن مجاشع ابن مسعود السلمي قال: جئت بأخي (أبي معبد) إلى رسول الله"بعد الفتح فقلت: يا رسول الله بايعه على الهجرة، فقال": =قد مضت الهجرة بأهلها+.
قال مجاشع: فبأي شيء تبايعه؟ قال: =على الإسلام، والجهاد، والخير+.
قال أبو عثمان النهدي: فلقيت أبا معبد فأخبرته بقول مجاشع، فقال: صدق.