أما إذا نشأت ونمت تحت جناح يخالف الإسلام، ويخذل دعوته ولا يربي الأمة على آدابه _ فإن قوتها تكون معطلة عن تأييد الإسلام، وتعميم هدايته.
إن الهجرة المحمدية من ديار الشرك إلى دار النصرة قد مضت بأهلها، ولكن الهداية المحمدية لا تزال في أمانة المسلمين، وهي في عصرنا أحوج ما كانت إلى تفكير المسلمين في صيانتها، والتماسهم الأسباب لازدهارها وتعميم العمل بها.
لما هاجر النبي"بأصحابه من ديار الشرك إلى دار النصرة، كان للإسلام _على قلة أهله يومئذ _ قوة بتلك القلة من أهله لا نكون صادقين لو زعمنا أن عندنا للإسلام مثلها اليوم مع كثرتنا واتساع آفاق أوطاننا."
فإذا كانت الهجرة مضت بأهلها فإن القوة التي توخاها النبي"للإسلام بالهجرة لا تزال أنظمة الإسلام وآدابه وأهدافه مفتقرةً اليومَ إلى مثلها، بل هي اليوم أشد افتقارًا إلى مثل تلك القوة مما كانت في زمن الهجرة."
نحن محتاجون اليوم _ من معاني الهجرة وأهدافها وحكمتها _ إلى أن ننخلع في بيوتنا عن الآداب التي تخالف الإسلام، وأن نعيد إلى هذه البيوت الصدق، والصراحة، والنبل، والاستقامة، والاعتدال، والمحبة، والتعاون على الخير.
فالبيت الإسلامي وطن إسلامي، بل هو دولة إسلامية.
وقبل أن أتبجح؛ فأنتقد ما خرج عن دائرتي من بيئات لا يفيدها انتقادي شيئًا يجب عليَّ أن أبدأ بمملكتي التي هي بيتي، فأهاجر أنا ومن فيه من زوجة وبنات وبنين إلى ما يحبه الله من الصدق، هاربين من الكذب الذي يكرهه الله ويلعن أهله في صريح كتابه.
ويجب أن أنخلع أنا وأهل بيتي من رذيلتي الإفراط والتفريط؛ فنكون معتدلين في كل شيء؛ لأن الاعتدال ميزان الإسلام.
ويجب أن نحب أنظمة الإسلام وآدابه محبة تمازج دماءنا، فنتحرى هذه الأنظمة في أخلاقنا، وأحوالنا، وتصرفاتنا، ومعاملة بعضنا لبعض هاجرين كل ما خالفها مما اقتبسناه عن الأغيار، وخذلنا به مقاصد الإسلام، فضيعنا أغراضه الجوهرية.