=إن الله حرَّم هذا البلد يوم خلق السموات والأرض؛ فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، وإنه لم يحلَّ القتال لأحد قبلي، ولم يحلَّ لي إلا في ساعة من نهار؛ فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا يُنَفَّرُ صيدُه، ولا يلتقط لقطته إلا من عَرّفها، ولا يختلى خلاه+.
فقال عمه العباس: يا رسول الله إلا الإذخر _ وهو نبات طيب الرائحة ينتفعون به _ فقال": =إلا الإذخر+."
وقد حيل بين من يلجأ إلى الحرم من المجرمين وبين حقوق الله والناس بما رواه سعيد بن جبير عن عبدالله بن عباس أن القاتل إذا عاذ ببيت الله في مكة أعاذه البيت، ولكن ليس على أحد من ساكني الحرم أن يؤويه، أو يطعمه ويسقيه، حتى يضطر إلى الخروج من حدود الحرم فإذا خرج أخذ بذنبه.
ومن أعجب ما امتازت به مكة عن بلاد الله جميعًا بين زمن مولد حامل أكمل رسالات الله وزمن هجرته_ أنها بلدة لم يشعر أهلها بحاجتهم إلى حكومة، ولم تمس حاجتهم إلى إقامة شرطة تحمي أهل العافية فيهم من أهل البغي والشر؛ لأنهم قلما عرفوا فيهم مُواطنًا من أهل مكة تنزع نفسه إلى البغي والشر (1) .
وأكثر ما كان يقع فيهم الباطل أن يمطل المدين دائنه في وفاء ما في ذمته له، فكان يستعين عليه بأهل العافية؛ فيحصل منه على حقه بلا حاجة إلى قضية أو محكمة.
ولأجل هذا انعقد في بيت وجيه من وجهاء مكة وشريف من أشرافها وهو عبدالله بن جدعان التيمي _ من أسرة أبي بكر الصديق _ حِلْفٌ اشترك فيه طائفة من أهل الفُتُوَّة والمروءة في قريش، وتعاقدوا على ألا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها أومن غيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه، وكانوا على مَنْ ظلمه حتى تُرَدَّ عليه مظلمته.
(1) أين الكاتب × من الحال في هذه الأزمان والله المستعان (م) .