وفي سورة (القصص: 57_ 59) _ وهي مكية _ نعى الله على الحارث بن عامر ابن نوفل بن عبد مناف وأمثاله من رجالات قريش وشبابهم أنهم تخوَّفوا من إقامة الحق بالدخول في الإسلام يوم كانت مكة هي بيئةَ الإسلام الأولى ومشرقَ دعوته [وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعْ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (57) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (58) وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلاَّ وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ] .
ومما خاطب الله قريشًا _ فيما أنزله من القرآن بمكة _ ومنَّ عليهم بهذه الميزة الكبرى لبلدتهم دون بلاد الأرض كلها قوله _ جلَّ ثناؤه _: [فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) ] قريش.
إن حرم مكة الآمن لا ينحصر في حرم الكعبة، ولا يقتصر على البلدة كلها، بل يعم أرض الحرم إلى مسافات بعيدة أقيمت لها أعلام في كل ناحية من نواحيها، فما كان خارج هذه الأعلام يسمى الحل، وما هو في داخل نطاقها يسمى الحرم، وفي الحرم تأمن الطير _أيضًا_ كما يأمن الإنسان؛ فلا تنفر عن أوكارها، ويأمن فيه حتى الوحش، فلا يحل اصطياده.
بل من جملة تحريمها تحريمُ قطع شجرها، وقلع حشيشها.
وقد خطب رسول الإنسانية الأعظم _ صلوات الله عليه _ يوم فتح الله عليه مكة، فقام على باب الكعبة يقول لقريش ومن وراءها من جماهير الناس، ولكتائب الفتح من المهاجرين والأنصار: