والجواب أنه كان"يستشير أصحابه في أمر الحروب ونحوها؛ ليقيم قاعدة الشورى بين الناس, وبالشورى تسعد الأمة، ويرتفع شأن الدولة, قال الحسن ÷: =قد علم الله أنه ما به إليهم من حاجة ولكن أراد أن يستنَّ به من بعده+."
وفي استشارته"لأصحابه تَطْيِبٌ لنفوسهم، وزيادة تأليف لقلوبهم؛ إذ كان العرب من أشد الناس كراهة للاستبداد, ونفورًا من الرئيس الذي لا يجعل لهم في تصريف الأمور العامة نصيبًا من الرأي."
وفي استشارته"أصحابَه إشعارٌ لهم بعلو مكانتهم عنده؛ إذ يدلّهم على أنه يراهم مَطْلع الآراء السديدة، ومواطن الإخلاصِ, والإخلاصُ رأس كل فضيلة, وأي منزلة أرفع من منزلة قوم يعرض عليهم"الأمر يستطلع آراءهم فيه, وهو الغني عنهم بما يأتيه من وحي السماء, وبما رزقه الله _تعالى_ من سمو الفكر، وصفاء البصيرة.
وقد نطق القرآن المجيد بوقائع أشار إلى النبي"جرى فيها على خلاف ما هو الأصلح والأولى."
منها: أخذه الفداء عن أسرى بدر, وذلك ما عاتبه الله عليه فقال: [مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ] (الأنفال:67) .
والمفهوم من الآية أن النبي الذي بُعث؛ ليطهر الأرض من أرجاس الشرك والفسوق؛ فقام في وجهه أعداءٌ ألدَّاءُ يبسطون إليه وإلى أنصاره أيديهم بالأذى, ويصدون الناس عما جاء به من الهدى, ويذهبون في الكيد له إلى أبعد مدى _ ينبغي له أن يأخذ في معاملة هؤلاء الأعداء المحاربين بالشدة حتى يكسر شوكتهم، وتعظم مهابته في قلوبهم, والمالُ وإن كان من وسائل القوة والغلبة ليست له في جانب المصلحة التي أشارت إليها الآية الكريمة من قيمته.