فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 181

أما إذا حدثناكم عن كمال عقل محمد"فلا نحدثكم عن عقل يرجع سبب عظمته إلى بيئة أو دراسة, إنما نحدثكم عن عقل أودعه _تعالى_ في أكمل خلقه؛ ليفهم به مقاصد الوحي؛ فيقوم ببيانها, ويدرك أمراض النفوس؛ فيصف أدواءها, ويتدبر أمور الجماعات فيحسن سياستها."

اقرؤوا سيرته في تلك السنين المعدودة التي قضاها _عليه السلام_ في المدينة المنورة, وانظروا ماذا كان يقوم عليه من جلائل الأعمال, ويدعوا إليه من وجوه الإصلاح, ويبينه من حلال وحرام, يؤم الناس في الصلوات, ويقود الجيوش في الغزوات, ويفتي السائلين في العبادات والمعاملات والجنايات, ويجلس إلى الأفراد والجماعات: يذكر الغافلين, ويرشد الضالين, ويجادل المعاندين, ويبشر المتقين, ويفصل بين المتخاصمين, وينظر في شؤون منزله, ويسوس آل بيته وخَدَمَه في رفق وعدل.

ولا شك أن هذه الأعمال المختلفة النواحي كما رأيتم, لا يكفي في تدبيرها وإقامتها عقل من هذه العقول التي يحدثنا عنها التاريخ, ولو صدقت مبالغاته في إطرائها، وإعلاء شأنها.

قال القاضي عياض في كتاب (الشفاء) : =لا مرية أنه"كان أعقل الناس وأذكاهم, ومن تأمل تدبيره أمورَ بواطنِ الخلق وظواهرهم، وسياسة العامة والخاصة مع عجيب شمائله، وبديع سيره, فضلًا عما أفاضه من العلم, وقرره من الشرع, دون تعلم سبق, ولا ممارسة تقدمت _ لم يَمْتَرِ في رجحان عقله، وثقوب فهمه لأول بديهته+."

فظهور هذا العقل الكبير في أمي لا يقرأ ولا يكتب من أظهر الدلائل على أن هذا الأمي صادق في دعوى أنه رسول رب العالمين؛ فنحن إذا خطبنا في كمال عقل المصطفى", إنما نصف آية تبعث في قلب الجاحد إيمانًا, وتزيد قلب المؤمن اطمئنانًا."

ولعلك تذكر قوله _تعالى_: [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ] (آل عمران:159) , فيختلج في صدرك أن أمره باستشارة أصحابه يقتضي أن آراءهم قد تكون أصوب من رأيه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت