فهرس الكتاب

الصفحة 154 من 181

أما محمد رسول الله"فإنه كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب, وكان مع هذه الأمية، والنشأة البعيدة من مواطن العلوم، ومجالس العلماء ينظر إلى الحقائق الغامضة؛ فيصيب كبدها, وينطق فإذا الحكمة كاشفة النقاب، والبلاغة آخذة بالألباب."

وحرامٌ على العصور أن تخرج للناس رجلًا يدانيه في عظمته, أو يقاربه في صدق لهجته, وروعة حكمته, لا تفعل العصور ذلك وإن بلغت في الحضارة أشدها، وأشرقت فيها العلوم على اختلاف موضوعاتها وتبيان غاياتها.

فكمال عقل المصطفى"من النوع الذي يخص الله _تعالى_ به بعض المصطفين من عباده؛ ليُعِدَّهم بذلك إلى أشرف مقام, هو مقام النبوة والرسالة."

وإذا كان ما ألقي على عاتق هذا الرسول العظيم هي الرسالة العامة الخالدة _ فمن المعقول أن يهب الله _تعالى_ له من فضل العقل، وسمو الحكمة ما يناسب عمومَ رسالته، وبقاءَها إلى قيام الساعة.

وليس ببعيد ما قاله بعض الفقهاء: إن النبي"كان يجتهد في أحكام بعض الوقائع, أي أنه يقتبسها من أصول الشريعة بروحه المطوي على علم بمقاصد التشريع؛ فإن الأحكام التي يستنبطها عَقْلٌ خلقه الله _تعالى_ في صفاء، وقوة لائقين بمقام رسوله الكريم جدير بأن تدخل في سلك الأحكام الثابتة من طريق الوحي الصحيح."

فإن حدثناكم عن كمالِ عقلِ علاّمةٍ نحرير, أو سياسي كبير، أو فاتح خطير فإنما نحدثكم عن عقل أتى الزمان بمثله, وفي وسعه أن يأتي بأمثاله, وليس بينك وبين أن تدرك سبب كبر هذا العقل إلا أن تنظر إلى البيئة التي شبَّ فيها، والمعارف التي تلقنها.

وإذا فرضت أن عقلين من هذا النوع قد تماثلا بحسب الفطرة كان عقل المتأخر أكبر من عقل المتقدم, لأن المتأخر يجد من ثمرات العقل السابق ما يساعد على التفكير، وسرعة الإنتاج, كما انتفع أرسطو من آراء أفلاطون؛ فكان عقله أكثر إنتاجًا من عقل أفلاطون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت