ونحن نعلم أن مِنْ أمهات المؤمنين مَنْ كان أبوها مِنْ أشد الناس إيمانًا به وإجلالًا لقدره، كعائشة بنت أبي بكر الصديق، وحفصة بنت عمر ابن الخطاب، ومنهن من كان أبوها من أشد الناس عداوة ومحاربة له كأم حبيبة بنت أبي سفيان؛ فلو لم يكن يقوم الليل على الدوام كما فرض عليه القرآن لعلم به المخلصون في صحبته، ودخلهم الريب في صحة دعوته، أو علم به خصومه الألداء؛ فوجدوا في أيديهم ما يطعنون به في صدق نبوته.
نُحَوِّل النظر إلى موقفه تجاه الخالق حين تمسه الضراء، فنراه كالعلم الشامخ تهب عليه عواصف البلاء فلا تلقى إلا قلبًا صابرًا وقدمًا ثابتًا، وحسبكم شاهدًا على هذا ما كان يلاقيه في بعض غزواته من شدائد، فلا يكون من هذه الشدائد إلا أن تؤكد عزمه، وتشد أزره، وتزيد داعية توكله على الله قوة، وكذلك ينبغي للمسلم أن يواجه البأساء في صبر ووقار، ويعمل على كشفها ما استطاع، ويضيف إلى هذا الدواء الناجع الاعتماد على من بيده ملكوت كل شيء، فقد قال _تعالى_: [لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ] .
هذا شأنه"في الخطوب، إما إذا أفاض الله عليه نعمة فإنها تنزل بأرض طيبة المنبت؛ فلا تثمر إلا شكرًا، ومن شكره للنعمة أن لا يتعاظم بها، أو يلبس في معاملة الناس حالًا غير ما كان يلبسه قبلها."
وقد كان حاله"في الزهد والتواضع بعد فتح مكة وغيرها من البلاد كحاله يوم كان يدعو إلى الله وحيدًا وسفهاء الأحلام في مكة يسخرون منه ويضحكون."
نصوب النظر بعد هذا إلى سيرته في الخليقة فنراهم أمامه أربع طوائف:
1_ طائفة المهتدين: وهؤلاء يلاقيهم في بشر وطلاقة محيا، ويخالطهم في تواضع يعلمهم به أدب المساواة بين الرئيس والمرؤوس، ويحمل لهم من الرحمة ما هو أرق من النسيم، وأجود من الغيث العميم.