فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 252

وعلى هذا ثبتت الطائفة المنصورة في كل العصور، ولكن المنهج التوفيقي الذي ابتليت به هذه الأمة عكر على هذا المنهج الحازم مواقفه وأفسد كثيرًا، في حين أراد إصلاحًا وتوفيقًا.

هذا المنهج يرى إمكان الجمع بين الوحي والفلسفة، بين منهج القرآن ومنهج اليونان (77) ، والخروج لموقف أو رأي وسط بينهما، فكثر التأويل وكثرت المخالفات للنصوص القطعية، حتى انحاز أصحاب هذا الاتجاه إلى جانب الفلسفة. (78)

لقد تحول هذا الفكر إلى إخراج العمل من مسمى الإيمان كما عرفنا، وأصبح الإنسان مؤمنًا كامل الإيمان، ولو لم يركع لله ركعة، ولو لم يعمل في الإسلام خيرًا، حتى أن كثيرًا من الأشعرية والماتريدية صرحوا بنفي أن تكون شهادة أن لا إله إلا الله داخلة في الإيمان.

يقول أبو منصور البغدادي أحد أئمة الأشعرية:

(( أما الإقرار وهو قول كلمة الشهادة، والعمل الذي هو فعل المأمورات وترك المنهيات، فليس من الإيمان ولا يكون تاركهما كافرًا، فإن كان تاركًا للإقرار كان مؤمنًا عند الله فحسب، وإن كان تاركًا للعمل كان مؤمنًا عند الله وفي أحكام الدنيا أيضًا ) ) (79) .

ويقول سعد الدين التفتازاني ضمن كلام معقد طويل عن مسألة النطق بالشهادتين وحكمه: (( أن ها هنا مطلبين، الأول: أن الإقرار ليس جزءًا من الإيمان، والثاني: أنه(أي الإيمان) التصديق لا غير )). وهو ينقل عن شرح المواقف: (( أن السجود للصنم بالاختيار يدل بظاهره على أنه ليس بصدق، ونحن نحكم بالظاهر فلذلك حكمنا بعدم إيمانه، حتى علم أنه لم يسجد له على سبيل التعظيم، بل سجد له وقلبه مطمئن بالإيمان، لم يحكم بكفره فيما بينه وبين الله تعالى، وإن أجري عليه حكم الكافر في الظاهر ) ) (80) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت