المبحث الثالث
ظاهرة الغلو المعاصر
لقد ظهرت تيارات غالية في بعض أقطار المسلمين، خلال السنوات الأخيرة من هذا القرن، وأعادت إلى الأذهان مقولات أهل الغلو القديمة.
فمن قائل بتكفير الفرد إلى قائل بتكفير المجتمعات، إلى من يتوقف فيها، ثم ظهرت مقولات وتصرفات، كمقاطعة الصلاة في المساجد، إلى هجرة المجتمعات والفرار بدين الله إلى الجبال والأودية ..
فما الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة؟ وما العوامل التي أدت إلى ظهور بعض الجماعات المتطرفة في ديار المسلمين؟! وما المظاهر التي بدأت تنتشر سريعًا هنا وهناك؟ وما مدى الصواب أو الانحراف فيها؟!
صحيح أن أهل الغلو يعتبرون فئة قليلة، وربما اندثر معظمها إلا أن آثارها لا تزال موجودة، لأنها لم تعالج بشكل طبيعي، ولأن الأعداء من علمانيين وغربيين حاولوا تشويهها، والانتقال إلى شباب الصحوة المعتدلين، ليبعدوهم عن العودة إلى منابع دينهم الصافية.
وعلى العموم فالأسباب كثيرة ومتشابكة، فمن أسباب محلية، إلى أسباب فكرية ونفسية تخص الغلاة أنفسهم، ناهيك عن الأسباب الخارجية التي يريد أصحابها إبعاد المسلمين عن دينهم.
ولعل أبرز الأسباب التي أدت إلى هذه الظاهرة هي:
1 -التحاكم للأنظمة والقوانين الوضعية:
فجع المسلمون بسقوط الخلافة، ثم بتحكيم القوانين الوضعية صراحة، فكانت مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، هي الجذر الرئيسي للغلو المعاصر، حيث كانت الشكاية الكبرى للتيارات الإسلامية كلها المعتدل والمغالي من إبعاد الشريعة عن واقع حياة المسلمين، وذلك مما يناقض الإسلام صراحة، بل هو ثمرة خبيثة للاستعمار الغربي الصليبي، وللغزو الفكري المصاحب له.
ومن رد شرع الله ورضي بالأحكام والقوانين الوضعية فقد كفر بالذي أنزل على محمد وارتد عن دينه. (198)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (( ليس لأحد أن يحكم بين أحد من خلق الله، لا بين المسلمين ولا بين الكفار ... إلا بحكم الله تعالى ورسوله ) ). (199)