تمهيد:
الغلو ظاهرة قديمة تجددت مع الزمن، حيث أن الغلو في دائرته الواسعة، كان من ظواهر الأديان قبلنا، حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد حذرنا من الغلو فقال: (( إنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ) ). (170)
وللغلاة صفات متشابهة، وتشدد يخرجهم عن حدود الاعتدال، والغلو عند الأمم الأخرى، أشد منه عند المسلمين ولكن أهل السنة والجماعة، والطائفة المنصورة في هذه الأمة، ما زالوا يبتعدون عن جفاء المغالين، وتفريط الجافين، فنصوص الكتاب والسنة، تدعو ليلًا نهارًا إلى اليسر والوسطية فيرجع من اهتدى، ويغلو من اشتد وجفا ..
وسوف نتحدث في هذا الفصل -الأول- عن الغلو المعاصر لدى فئة قليلة من المسلمين، نبين أسباب هذه الظاهرة ومظاهرها، وكيفية علاجها، مقدمين لذلك بتوطئة عن جذور هذا التطرف في تاريخنا الإسلامي.
وفي الفصل الثاني، سنتحدث إن شاء الله عن ظاهرة التطرف لدى الأمم الأخرى، وكيف كان حقدهم على المسلمين خلال عصور التاريخ.
ولعل ظاهرة الغلو المعاصر عند المسلمين كانت ردة فعل، على تسيب الفكر الإرجائي، وتفريط المسلمين في دينهم، وتوغل الفكر الصوفي، إضافة إلى عوامل أخرى متعددة ومتشابكة.
الفصل الأول
الغلو والتطرف في حياة المسلمين المعاصرة
وفيه خمسة مباحث:
المبحث الأول: مفهوم الغلو وأنواعه.
المبحث الثاني: الجذور التاريخية لظاهرة الغلو.
المبحث الثالث: ظاهرة الغلو المعاصرة: العوامل والأسباب.
المبحث الرابع: مظاهر الغلو في حياة المسلمين المعاصرة.
المبحث الخامس: كيف تعالج هذه الظاهرة؟!
المبحث الأول
مفهوم الغلو وأنواعه
الغلو لغةً: هو مجاوزة الحد، يقال غلا فلان في الدين غلوًّا، تشدد وتصلب حتى جاوز الحد. (171)
وكل من تجاوز حد الاعتدال وغلا، يصح لغويًا تسميته بالمتطرف. جاء في المعجم الوسيط في معنى تطرف: (( تجاوز حد الاعتدال ولم يتوسط ) ). (172)