فلما نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك كما تقدم كان النهي عن ذلك نسخًا له لأن النهي لا يكون إلا بعد الإباحة [1] .
ويجاب عن ذلك بأن النسخ مجرد دعوى احتمال والنسخ لا يثبت بالاحتمال [2] خاصة أن النهي عن الصلاة في يوم مرتين محمول على أن تصلى كل منهما على وجه الفرض مرتين لا على أن إحداهما فريضة والأخرى نافلة [3] لأن هذا جائز باتفاق أهل العلم [4] . ومن ذلك صلاته - صلى الله عليه وسلم - في الخوف مرتين - كما في حديث جابر وحديث أبي بكرة [5] - رضي الله عنهما - وكذلك أمره - صلى الله عليه وسلم - بإعادة صلاة الجماعة كما في حديثي يزيد بن الأسود وحديث أبي سعيد الخدري [6] رضي الله عنهما، وعليه فلا تعارض بين أحاديث النهي وأحاديث الفعل والأمر. لأن كلًا منهما محمول على أمر آخر فلا تعارض بينها وإن كان ولا بد من القول بالنسخ فأحاديث النهي أولى به من أحاديث الأمر.
قال ابن المنذر: فدل هذا الحديث - يعني حديث يزيد ين الأسود - على أن أمره الرجلين بأن يصليا مع الناس بعد نهيه عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس لئلا يقول قائل: إن ذلك منسوخ لأن ذلك كان في حجة الوداع [7] .
وقال ابن حجر: بل لو قال قائل: هذا النهي منسوخ بحديث معاذ - رضي الله عنه - لم يكن بعيدًا. ولا يقال: القصة قديمة لأن صاحبها استشهد بأحد [8] لأنا نقول كانت أحد في أواخر الثالثة [9] فلا مانع أن يكون النهي في الأولى والإذن في الثالثة مثلًا، ثم استدل بحديث يزيد بن الأسود العامري المتقدم وقد كان في حجة الوداع في أواخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
(1) انظر شرح معاني الآثار 1/ 410 وشرح فتح القدير 1/ 372.
(2) انظر الإحكام لابن دقيق العيد 2/ 62 وفتح الباري 2/ 196.
(3) انظر السنن الكبرى 2/ 303 والأوسط في السنن والإجماع والاختلاف 2/ 407.
(4) انظر المغني 3/ 68.
(5) تقدم تخريجهما.
(6) تقدم تخريجهما.
(7) الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف 2/ 405.
(8) صاحب القصة هو سليم الأنصاري من رهط معاذ بن جبل - رضي الله عنهما - وهو الذي خرج من صلاة معاذ بن جبل - رضي الله عنه - كما سيأتي في حديث معاذ بن رفاعة الزرقي بعد قليل وقد استشهد - رضي الله عنه - في غزوة أحد. انظر الإصابة 2/ 75.
(9) أي في شهر شوال من السنة الثالثة، انظر السيرة النبوية لابن هشام 2/ 60.