وقد تكلمنا على أحكام الصيام من جهة الخلاف الأصلي، والأدلة التي جاءت في هذا الباب من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما تشبث به أصحاب الأقوال من المذاهب الفقهية الأربعة، وإنما نبين الصواب في هذه الليلة فقط، ولا ندخل في مسائل الخلاف، وإنما نبين النازلة، وكذلك أوصافها, وإلحاقها بالأصل والعلة الجامعة بينهما، ثم نبين الحكم الشرعي، وهذا هو الاختصار في هذا الباب، والخوض في مسائل الخلاف في الأحكام الأصلية في هذا الباب قد تكلمنا عليه في مواضع عدة من عدة كتب من شرح كتاب الصيام من دليل الطالب، وشرح كتاب الصيام لزاد المستقنع، وشرح كتاب الصيام من المحرر، وغيرها من الكتب، وكذلك في محاضرات متنوعة يمكن أن يرجع إليها، كذلك يمكن أن يرجع إلى كلام العلماء عليهم رحمة الله تعالى من السابقين واللاحقين في أحكام الصيام في المسائل العصرية وأدلة كل قول.
مظان المسائل النازلة في مصنفات العلماء هي في كتب الفتاوى، والفتاوى -في الغالب- تطلق على ما أفتى به الإنسان في نازلة من النوازل، وذلك أن الإفتاء لا يكون بالجملة إلا في فتاوى نازلة؛ ولذلك تنسب هذه الفتوى لفلان. أما ما كان فيه نص شرعي من كلام الله سبحانه وتعالى، وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس المجال لأحد، وإنما يورد الدليل من الكتاب والسنة، ومواضع الخلاف يكون فيها الاجتهاد، وما ظهر فيه الدليل فالفتوى ليست لصاحب ذلك الكلام وإنما هي لكلام النبي صلى الله عليه وسلم فهو إمام المفتين؛ ولذلك جمع ابن القيم عليه رحمة الله تعالى رسالة سماها فتاوى إمام المفتين, وهو النبي عليه الصلاة والسلام جمع فيها أقواله، وما سئل عنه عليه الصلاة والسلام وأجوبته في هذا الباب.