ومن تمام هذا الدين وكماله: صلاحيته لكل زمان ومكان؛ فلا يحتاج في كل موضع وفي كل حال وفي كل نازلة إلى نص بتلك النازلة، وإنما جاءت أصول عامة تجري على فروع كثيرة؛ لهذا أوتي النبي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم كما قال عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيح: (إنما بعثت بجوامع الكلم) ، وهذا كما أنه للنبي صلى الله عليه وسلم فهو لكلام الله عز وجل من باب أولى؛ لأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم دون كلام الله جل وعلا بيانًا وفصاحة وبلاغة وكمالًا؛ فالكمال هو لله جل وعلا من غير نقص بأي نوع من أنواع النقص؛ لهذا كان من كمال هذا الدين أن جعل الله عز وجل فيه قواعد كلية وأصولًا عامة تحمل على أفراد وعلى نوازل؛ فتصلح هذه الأصول مرجعًا في كل زمان ومكان، وفي كل مسألة وفي كل نازلة؛ لهذا بقيت أحكام الشريعة ظاهرة بينة والأدلة الشرعية يستدل بها في كل حال وفي كل نازلة وفي كل عصر وفي كل مصر، ومن تأمل الأعصار الماضية -وكذلك بقاع العالم- وجد أن الشريعة والأدلة من الكتاب والسنة هي مدار الاستدلال على اختلاف النوازل، وتنوع الحوادث وغير ذلك. الشريعة هي المرجع، وهذا هو ثمرة كمال هذا الدين، وإتمام الله سبحانه وتعالى على هذه الأمة النعمة. ومن تمام نعمة الله عز وجل: أن سهل لهذا الأمة وجود الاستنباط، وكذلك وجود العلماء الربانيين الذين يستنبطون من الأحكام الشرعية أدلة للفروع وللأحكام النازلة؛ لهذا كثرت فتاوى العلماء في الأحكام النازلة في المذاهب الفقهية الأربعة وغيرها؛ فكانت الأدلة من كلام الله سبحانه وتعالى هي الأصل، والفتاوى التي تؤخذ منها إنما تنزل بصيغة النوازل وبيان أحكامها، والمستند من جهة الأصل هو كلام الله سبحانه وتعالى وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كلامنا في هذه الليلة عن نوازل الصيام.