يقول الشيخ بن عثيمين: رحمه الله تعالى. في ختام هذه القاعدة، هذه القاعدة وهي أن الشريعة إنما تأمر بما مصلحته خالصة أو راجحة، وتنهى عما أفسدته خالصة أو راجحة، لا تقف عند هذا الحد. يعني: طالب العلم لا يقف عند أن يعرف هذه القاعدة وما فُرِّعَ عليها، بل يجب أن نؤمن بأن كل ما أمر الله به ورسوله فهو خير ومصلحة، علمنا أم جهلنا، لأنه قد يتأثر ما أمر الشارع إلا بما فيه مصلحة، إذًا أريد أن نقف على هذه المصلحة، نقول: لا، المصلحة قد تكون معلومة إما بنص أو استنباط، وقد تكون مجهولة، لكن ما أمر الله به فيه مصلحة علمتها أم جهلتها. إذًا كل أمرٍ جاء به الشرع فهو لمصلحة، بل يجب أن نؤمن بأن كل ما أمر الله به ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فهو خيرٌ ومصلحة، سواءٌ ظهر لنا ذلك أم لم يظهر، وحينئذٍ نطمئن إلى الأوامر ولا نقول عن الواجب لِمَ وُجِبَ، وأن كل ما نهى الله عنه ورسوله فهو مفسدة إما خالصةٌ أو راجحة، وحينئذٍ نطمئن إلى المنهيات ولا تقول: لماذا حُرِّمَتْ. ودليل هذا الاطمئنان وهذه الثمرة الجليلة على معرفة هذه القاعدة العظيمة قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا} [الأحزاب: 36] نكرة في سياق النفي {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا} هذا في سياق الشرط إذا الشرطية {إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} فقوله: {أَمْرًا} نكرة في سياق الشرط فتشمل كل أمرٍ سواء كان أمرًا كونيًا أم شرعيًا، فإذا قضى الله على الناس مثلًا بالجدب والجوع والمرض فإننا نرضى بهذا القضاء ونصبر، لأنه مما أمر الله به، والله تعالى يأمر أمرًا شرعيًا ولا كونيًا إلا لمصلحة، وإذا قضى الله على العباد بوجوب شيء فإننا نرضى به ونسلم ولا نسأل، وقد سألت امرأة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ فقالت عائشة: كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة. ردتها إلى الأمر يعني: أمرنا ولم نأمر، هذه هي المصلحة وهي العلة، فهذه هي الحكمة.
إذًا كل ما يتعلق بهذه المسألة أو القاعدة الأولى مرده إلى ما ذكرناه ابتداءً لأن النظر في المصلحة إما أن يكون من جهة اعتبار الشارع لها، وإما من جهة إلغاء الشارع حينئذٍ لا عبرة بها، والمسكوت عنها غير المصلحة المرسلة هذا فيها خلاف بين أهل العلم.
القاعدة الثانية هذه تأتينا غدًا إن شاء الله تعالى.
والله أعلم.
وصلَّ الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.