لا بد أنه قد دخل تحت قاعدة ثانية، إذًا هذا الجزئي مما تنازعه قاعدتان، قاعدة في ظاهره أنه يدخل تحته، ولكن لوجود أمر باطن قد لا يَتَنَبَّهُ له الشخص خرج عن القاعدة هذه، ولكنه في نفس الوقت دخل تحت قاعدة أخرى، إذًا جزئي تنازعه قاعدتان أو أصلان، فهذا الفرع أو الجزء الذي خرج لا بد وأنه مندرج تحت قاعدة أخرى، حينئذٍ يكون هذا الجزئي قد تنازعه قاعدتان بعضهم يرى أنه داخل في هذه القاعدة وخرج منها، وبعضهم يرى أنه قد دخل في قاعدة أخرى، حينئذٍ الخلاف فيه ليس في كونه ليس داخلًا في قاعدة، وإنما الخلاف فيه هل هو داخل تحت هذه القاعدة أم تحت هذه القاعدة، واضح هذا؟ انتبه!
إذًا كل ما يمر بك في المستثنيات حينئذٍ تقول: هذا الذي استثني لم يدخل تحت هذه القاعدة، لكنه دخل تحت قاعدة أخرى، إذًا لا يوجد فرد عندنا إلا وهو داخل تحت قاعدة ما. إذًا ليس ثَمَّ نزاع في الاستثناء على جهة الإطلاق، لا بد من الاستثناء، وإنما هو استثناء جزئي من دخوله تحت قاعدة ليدخل تحت قاعدة أخرى، ثم هذا الاستثناء إما لفوات شرط أو لوجود مانع. إذًا لم تنطبق عليه القاعدة من أصلها، نأخذ من هذا أن القواعد الفقهية كلية، بمعنى أنها مطردة، بمعنى أنها لا يوجد جزئي يصدق عليها مفهوم القاعدة وحكم القاعدة ثم لا يأخذ الحكم، لا وجود له البتة لماذا؟
لأن هذه القاعدة كما سيأتي في استمدادها إما أنها نص من كتاب أو سنة ونتكلم القواعد العامة المطردة متفق عليها، أو الراجح إعمالها، إما أنها نص من كتاب أو سنة حينئذٍ الاحتجاج بها أو احتجاج بأصلها، وإما بالنظر لاستقراء الفروع، والنظر فيها يكون قدر مشترك في المعنى، ثم توضع له هذه القاعدة.
إذًا لا بد وأن هذا الجزئي لم يوجد فيه هذا المعنى من أصله.
ثم قال التاج السبكي: ومنها ما لا يختص بباب كقولنا:"اليقين لا يرفع بالشك". ومنها ما يختص بباب.
يعني: الأمر الكلي نوعان:
أمر كلي لا يختص بباب بل يشمل الفقه من أوله إلى آخره، العبادات بأنواعها الطهارة الصلاة الزكاة الصوم الحج .. إلى آخره، المعاملات بأنواعها من بيع وشراء وتجارة ونكاح وطلاق وقضاء وإقرار .. إلى آخره فكلها داخلة تحت هذه القاعدة.
ومنها من الأمر الكلي النوع الثاني: ما لا يشمل سائر الأبواب، وإنما يختص بباب واحد، كما نقول: الأصل في الماء الطهارة. نقول: الأصل في الماء هذا كلي فكلما مر بك ماء على وجه الأرض إذًا له أفراد وله جزئيات، فاحكم عليه بأنه طاهر، الأصل في الماء الطهارة، نقول: هذا كلي وله أفراد وينطبق على جزئياته إلا أنه ليس بقاعدة. يعني: لا يسمى قاعدة على الصحيح. وثم لكونه يختص بباب وهو باب المياه حينئذٍ نقول: هذا لا يسمى قاعدة، لأن القاعدة هو الذي لا يختص بباب بل يتعلق بجميع الأبواب. إذًا أمر الكلي على نوعين - على ما قاله السبكي: منها ما لا يختص بباب كقاعدة [الضرر يزال] ، [المشقة تجلب التيسير] .
ومنها ما لا يكون عامًا بل يختص بباب من أبواب الفقه، إما الصلاة فقط وإما الصيام فقط، وإما البيع والشراء فقط، وإما النكاح، وإما الفرائض إما الديات .. ونحوها إن اختص بباب ولم يشركه غيره حينئذٍ نقول: هذا ضابط وليس بقاعدة.