نقول: هذه الأعمال صادرة بلا نية، لأنها القصد، وكل عامل يقصد العمل الذي يعمله ويباشره لهذا كانت عناية الشارع في الأول الإخلاص وفي تحقيقه وتخليصه من جميع الشوائب، فهو الأهم (وكما أن هذا الأصل) يشمل جميع العبادات (فكذلك المعاملات، فكل معاملة من بيع، أو إجارة، أو شركة، أو غيرها من المعاملات تراضى عليها المتعاملان لكنها ممنوعة شرعًا) يعني: فقد شرط المتابعة، هنا قد لا يقال بأن في هذه الصور يكون ثَمَّ إخلاص لله عز وجل، وإنما المراد به المتابعة، لأن البيع له شروط وأركان، البيع بالشرع يوصف بالصحة ويوصف بالفساد، وكذلك الإجارة وغيرها، فحينئذٍ إذا وصفت بالصحة معناها أنها وُجِدَت فيها الشروط وانتفت الموانع، وكذلك الإجارة وغيرها. قال هنا: (تراضى عليها المتعاملان) يعني: رضا المتعاقِدَيْنِ لا يرفع البطلان عن وصف العقد بالبطلان، لا يرفع وصف العقد بكونه يوصف بالفساد والبطلان، ولو تراضى، لماذا؟ لأن رضا المتعاقِدَيْنِ تابع لرضا الشرع، فما رضيه الشرع أن يكون شرطًا أو ركنًا في العقد وجب أن يكون، ولو تراضى المتعاقدان على عدمه حينئذٍ يكون لا عبرة بهذا الرضا، قال رحمه الله تعالى: (فإنها باطلة محرمة، ولا عبرة بتراضيهما؛ لأن الرضا إنما يشترط بعد رضا الله ورسوله) وهذا الأصل مما جاءت به السنة فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل» . وقال - صلى الله عليه وسلم: «المسلمون على شروطهم إلا شرطًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا» . قال الشيخ بن عثيمين رحمه الله تعالى: ولم جيء إليه بتمرٍ طيب سأل أكل تمرٍ خيبر هكذا؟. قالوا: لا، لكننا نأخذ الصاع من هذا بصاعين من الرديء، والصاعين بالثلاثة. فقال: «لا تفعلوا» . مع كونه بيعًا نهاهم «ولكن مثلًا بمثل أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا» . فأمر برد المبيع لأن هذا البيع ليس عليه أمر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ( «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» ) ، (وكذلك التبرعات) العقود قد تكون معاوضة بيع وشراء ونحوها فيها أثمان، وقد تكون تبرعات كالهدية ونحوها، التي نهى الله ورسوله عنها كتخصيص بعض الأولاد على بعض، أو تفاضله أو تفضيلهم في العطايا، جمع عطية وهي ما يكون في الحياة، والوصايا جمع وصية وهو ما يكون بعد الموت، وتفضيلهم تفضيل بعض الأولاد بعضهم على بعض وتفضيلهم إما مطلقًا أو زيادة على الآخرين وهو حرامٌ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» .