وليعلم هؤلاء وأولئك أن المنهج الذي قرره الشرع الحكيم، وخرج له المؤمنون مهاجرون وجاهد من أجله المجاهدون، وقتل في سبيله الشهداء على مر السنين، لا يستطيع أن يغيره طموحات دنيوية لأقوام سعوا لتحصيل مصالح مادية أو مناصب إدارية أو مكاسب شخصية رغم وقوفهم ردحا من الدهر بين صفوف المجاهدين، أو جزع قوم خافوا أن يطول بهم المقام في محنتهم، فقدموا خلاصهم من المحنة على حساب تشويه المنهج ومصير الأمة ودماء الشهداء، بل وبذل هؤلاء وأولئك الجهد الجهيد لإخراج فتاوى ومؤلفات بنيت على أباطيل ابتذلوها، على خلاف ما عليه سلف هذه الأمة وخلفها، بل وعلى خلاف ما كتبه بعضهم بأيديهم ووثّقوه بالأدلة الشرعية في كتبهم ومقالاتهم منذ ردح من الزمن، فقد خابوا وخسروا ....
-خابوا في عدم تقديرهم لوعورة هذا الطريق.
-وخسروا بمخالفة ما كانوا عليه من الحق.
قال مسعود البغوي في تفسير قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ} "أكثر المفسرين قالوا: على شك، وأصله من حرف الشيء وهو طرفه، نحو حرف الجبل والحائط الذي كالقائم عليه غير مستقر، فقيل للشاك في الدين إنه يعبد الله على حرف لأنه على طرف وجانب من الدين لم يدخل فيه على الثبات والتمكن وأصله كالقائم على حرف الجبل مضطرب غير مستقر، يعرض أن يقع في أحد جانبي الطرف لضعف قيامه، ولو عبدوا الله بالشكر على السراء والصبر على الضراء لم يكونوا على حرف، قال الحسن: هو المنافق". [1]
فال الشيخ سيد في الظلال:
"إنه نموذج من الناس مكرور في كل جيل ذلك الذي يزن العقيدة بميزان الربح والخسارة؛ ويظنها صفقة في سوق التجارة: {ومن الناس من يعبد الله على حرف، فإن أصابه خير اطمأن به، وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة} . .إن العقيدة هي الركيزة الثابتة في حياة المؤمن، تضطرب الدنيا من حوله فيثبت هو على هذه الركيزة وتتجاذبه الأحداث والدوافع فيتشبث هو بالصخرة التي لا تتزعزع؛ وتتهاوى من حوله الأسناد فيستند هو إلى القاعدة التي لا تحول ولا تزول". [2]
وبالرغم من بيان الكتاب والسنة لطبيعة ووعورة هذا الطريق ومشقته بيانًا واضحًا فقال تعالى مصدرا إحدى سور القرءان الكريم [الم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين] [3] وقال تعالى [ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم] [4] وغيرها الكثير في كتاب الله، إلا أن البعض لم يقدروا هذا الأمر حق قدره إما لحداثتهم في هذه المسيرة وإما لجهلهم بهذا الدين.
(1) :"تفسير البغوي - (ج 5 / ص 368) دار طيبة للنشر والتوزيع"
(2) في ظلال القرآن - تفسير الآية
(3) سورة العنكبوت آية 1.
(4) سورة محمد آية 31