دمشق، فأوشك أهل دمشق أن يجبُنوا فكان يصبّرهم، فمن جملة ما قال لهم:"والله إنكم منصورون"، فقالوا له:"قل إن شاء الله"، فقال:"إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا" [1] .
فاليقين بالنصر يساعدك أن تخرج بعزيمة بحيث لو فاتتك أسباب النصر تبدأ تبحث لماذا وتُتمّم العوامل، فهذا من الأمور التي تلزم القائد، ولا تنسوا أصل الموضوع الذي اجتمعنا من أجله، واربطوا هذه الأخلاق بلوازم القائد؛ فإذا القائد ليس عند حسن ظن بالله وليس عنه صبر وليس عنده يقين، فما بالك بمن بعده؟!.
وقرأت مرة لطيفة جميلة مستفادة من قوله تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [2] ، قال: في هذه الآية دلالة على أن لا تتَّبع أميرًا وقائدًا غفل عن ذكر الله، فمن غفل عن ذكر الله وبان عليه سوء العبادة وسوء الدين فالأصل أن لا تطيعه. فالعلماء عندما يقرأون هذه الآيات ويُخرجون منها لطائف لا تخطر في بالك بصورة طبيعية.
فهذه صفات القائد، فإذا كان القائد غير مقتنع بالنصر لن يستطيع أن يقود المعركة، وهذه أنا رأيتها بنفسي في أيًام الجهاد في سوريا، عندما كنت مع (الطليعة) كانوا يهوّنون لك عالم الأسباب لحدّ التفريط، ولا يربطون القضية بالأسباب أبدًا، حتى أنّ أحد قوّادهم قال كلمة هي خطأ في التطبيق ولكنها تدلّ على اليقين، قال:"الله تعالى أمرنا بجهاد النصيريّة، وأنا الآن عندي 7 طلقات في مسدسي فأُطلقها الآن، ولا أعلم من أين سيأتي ما بعدها ولا أستطيع أن أعرف ولا أريد أن أعرف أكثر من ذلك، وأتوكل على الله وامشي". هذا الكلام إذا طُبّق بهذه الصورة فيه تفريط، وهم دفعوا ثمن التفريط، ولكن من جانب من الجوانب يدل على يقين قوي.
أما عندما ذهبنا إلى (الإخوان المسلمين) فكنّا نجلس مع القائد فيقول لك:"ما في فائدة، نحن نعمل لأنّنا أُجبرنا على العمل، ولكن كيف ننتصر وعند العدو دبابات وطائرات؟"، فيبدأ يخذّل جنوده ويمسخ فيهم الإيمان
(1) يقول ابن القيم في (مدارج السالكين) 2\ 458:"ثم أخبر الناس والأمراء سنة اثنتين وسبعمائة لما تحرك التتار وقصدوا الشام: أن الدائرة والهزيمة عليهم. وأن الظفر والنصر للمسلمين. وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينا. فيقال له: قل إن شاء الله. فيقول: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا. وسمعته يقول ذلك. قال: فلما أكثروا علي. قلت: لا تكثروا. كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ. أنهم مهزومون في هذه الكرة. وأن النصر لجيوش الإسلام. قال: وأطمعت بعض الأمراء والعسكر حلاوة النصر قبل خروجهم إلى لقاء العدو."اهـ.
(2) سورة الكهف الآية 28.