الصفحة 16 من 67

نأتي للخصلة التالية ذكرها منفصلة وهي الصبر فأنا وصلتها باليقين، وهو أتى بها في الصفات المتأخرة مع أنّه من أول ما يلزم للقائد، فكأنّه لم يتعمّد الترتيب. ووصلنا الصبر باليقين لعلاقة الصبر باليقين، الشجاعة متفرعة عن الكرم، فالصبر واليقين أيّهما متفرّع عن الآخر؟

الصبر فرع من اليقين، واليقين هو أبو الصبر، لأن الإنسان يصبر ويصبر ويصبر، ثم في لحظة ما ينقطع صبره ولا يعود قادرًا على الصبر والسبب انقطاع يقينه من النتيجة، وحتى يتضح أضرب مثالًا؛ تُخرج رجلًا في التدريب ثم تقول له: عندنا مسير طويل، فيخرج، ثم يعطش، فإذا قلت له:"اعطش ما بدا لك ليس هناك ماء إلا بعد 500 كلم"، فسينقطع صبره نهائيًا ولا يصبر ولا عشرة أمتار، وإذا قلت له:"إن شاء الله هناك ماء قريب، بعض الإخوة مرّ من هنا وكان هناك ماء"، فنمشي، فيقول لك:"يا شيخ الماء؟"، فتقول له:"بعد قليل إن شاء الله"، فتبدأ تستفز عنده حوافز الصبر وقدرات النفس الكبيرة جدًا، بينما لو قطعت يقينه لا يصبر.

فإذا قلت له:"قضيتكم ناجحة بإذن شاء الله، وأسباب نجاحها كذا وكذا فاصبروا وقاتلوا وإن شاء الله تَصِلون"، فيصبرون، بينما لو قلت لهم:"هذه الشواهد قائمة فيكم وفي غيركم وأن النصر لن يأتي، واصبروا هكذا للجنة والشهادة"، فسيصبر فقط المتعلّق بالله، أما من أراد النتيجة والإنجاز لن يصبر، وهكذا.

فالصبر فرع من اليقين، ومن لوازم الصبر أن يكون عند الإنسان يقين بالنتيجة، ولذلك فيقيننا بالجنة هو سبب الصبر على العبادات.

تكلم الشيخ سعيد حوى عن الصبر في صفة 66 فجاء ببعض الشواهد نأخذ منها القليل، فاستشهد بقوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [1] ، ولاحظ ربط الآية بين الصبر واليقين، وللإمام ابن تيمية كلام مشهور جعل فيه الصبر واليقين من أساسيّات الإمامة، أخذها من هذه الآية، جعلنا منهم أي من بني إسرائيل أئمة ورثوا الأرض وحكموها، متى؟ لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون، فقال ابن تيمية:"الصَّبْرُ وَالْيَقِينُ بِهِمَا تُنَالُ الْإِمَامَةُ فِي الدِّينِ" [2] اهـ.

(1) سورة السجدة، الآية: 24.

(2) مجموع الفتاوى 3\ 358.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت