"لقد كان العلم أهم ما جادت به الحضارة العربية [1] على العالم الحديث، ولكن ثماره كانت بطيئة النضج .. إن العبقرية التي ولدتها ثقافة العرب في إسبانيا لم تنهض في عنفوانها إلا بعد وقت طويل على اختفاء تلك الحضارة وراء سحب الظلام. بل إن مؤثرات أخرى كثيرة من مؤثرات الحضارة الإسلامية بعثت باكورة أشعتها إلى الحياة الأوربية. فعلى الرغم من أنه ليس ثمة ناحية واحدة من نواحي الازدهار الأوربي إلا ويمكن إرجاعها إلى مؤثرات الثقافة الإسلامية بصورة قاطعة، فإن هذه المؤثرات توجد أوضح ما تكون، وأهم ما تكون في نشأة تلك الطاقة التي تكوّن ما للعالم الحديث من قوة متمايزة ثابتة، وفي المصدر القوي لازدهاره، أي في العلوم الطبيعية وروح البحث العلمي [2] ."
وتقول: زيجريد هونكه العالمة الألمانية في كتابها"الله ليس كذلك" [3] :
"إن العالم العربي قد صار بلا ريب -كما أفضنا في كتابنا"شمس الله تشرق على الغرب"-مؤسس علوم الكيمياء العضوية. هذا ولم يتردد العرب بحال من الأحوال في امتحان الفروض اليونانية وإخضاعها لمعايير النقد العربية التجريبية -وكان معظم هذه القروض لا أساس له سوى التخمين -ولعديد من الاختبارات والتجارب، وصوبوا مئات ومئات من تلك الفروض العلمية الخاطئة، ولا بأس أن نكتفي هنا بثلاثة منها:"
1 -خطأى جالينوس اللذين بينهما المشرّح العربي عبد اللطيف، أحد أطباء صلاح الدين الأيوبي، وقد صوبهما.
2 -فساد نظرية جالينوس حول وجود ثقب في الحجاب الحاجز في القلب، وبيان أنها خيال محض، على يد ابن نفيس الذي خلف عبد اللطيف في رئاسة المستشفى بالقاهرة، وتصويبه إياها باكتشافه الدورة الدموية الصغرى.
3 -خطأ نظريتي إقليد (إقليدس) وبطليموس، الزاعمة أن العين تسلط نورها على المرئيات، بالتصويب العبقري لعالم البصريات ابن الهيثم مؤسس علم البصريات التجريبي، والذي وضع نظريات وقوانين عديدة في علم البصريات، مقدمًا لأوربا نظرية تكاد تكون كاملة حول الأشعة، بما في ذلك الأسس التي يقوم عليها استخدام العدسات والمجاهر، وكافة أنواع المرايا، وآلة التصوير بالتعتيم الشمسي وكشافات الضوء الكهربية وغير ذلك.
"ولقد بلغت تلك العلوم والمخترعات والمكتشفات أوربا بواسطة الطرق الخمس التالية:"
-عن طريق السفن والتجار وفرسان الحروب الصليبية وحجاج بيت المقدس والأماكن المقدسة للنصارى.
-صقلية العربية إبان خضوعها لحكم العرب مائتين وخمسين عاما دون انقطاع، وعن طريق صديق العرب الأكبر فيها القيصر فردريك من آل هوهن شتاوفن.
-إسبانيا والبرتغال (الأندلس) حيث خضعتا للعرب ثمانمائة عام.
-مترجمات مدرسة الترجمة العليا في طليطلة العربية.
-وعن طريق طلاب العلم المتقلبين بين الجامعات والبعثات واليهود الجوالين والحجاج والتجار.
وكما قيل حقا فإن إنجازات علماء العرب من أطباء وكيميائيين ورياضيين وفلكيين ومخترعاتهم الغنية، التي وصلت إلى أوربا إبان إحكام آباء الكنيسة قبضتهم عليها ليزداد تخلفها من سيئ إلى أسوأ، كل ذلك قد هطل على أوربا كالغيث على الأراضي الميتة فأحياها قرونا، وخصبها إبان ذلك من نواح متعددة، ودفعها دفعا قويا لكي تباشر بحوثها الخاصة بها" [4] ."
ويقول فون جرونيباوم في كتابه"إسلام القرون الوسطى Medieval Islam":
(1) - يقصد الإسلامية كما بين بعد ذلك.
(2) - عن كتاب"تجديد الفكر الديني"لمحمد إقبال، ترجمة عباس محمود، ص149.
(3) - هكذا ترجم المترجم عنوان الكتاب من اللغة الألمانية ولعل المؤلفة تقصد أن إله المسلمين ليس كما يصفه الغربيون.
(4) - عن كتاب"الله ليس كذلك"ترجمة د. غريب محمد غريب، نشر دار الشروق بالقاهرة، الطبعة الأولى عام 1416هـ 1955م، ص81 - 82.