الصفحة 3 من 47

كانت القرون الوسطى في أوربا عهد ظلام مطبق، امتد ما يقرب من عشرة قرون. وهي في حس الأوربي المعاصر مرتبطة بالدين .. أي أنها الفترة التي سيطر فيها الفكر الديني على الحياة في أوربا، والتي انتهت حين بدأ عصر"النهضة"الذي اتسم بدوره بنبذ الدين أو -في القليل- تحجيمه حتى يصبح"علاقة بين العبد والرب، محلها القلب، ولا صلة لها بواقع الحياة".

والأوربي في هذه الرؤية منطقي مع ذاته، منطقي مع تاريخه وظروفه، كما أنه -إلى حدّ ما- معذور في رؤيته تلك، حسب تجربته الخاصة التي خاضها مع الدين [1] .

ففي تلك الفترة من سيطرة رجال الدين على الحياة في أوربا وقعت مجموعة من المظالم -والظلمات- وكان الحل الذي توصلت إليه أوربا في النهاية لإزالة الظلم والظلمات هو إلغاء سيطرة الدين على الحياة، وتقليصها إلى آخر مدى مستطاع.

ولنتتبع -في خطوات سريعة- هذا التاريخ.

إلى أن دخل قسطنطين في النصرانية -أو ادعى الدخول فيها- كان النصارى في الدولة الرومانية الوثنية يسامون سوء العذاب: يقتّلون ويشردون ويعذّبون. يحرقون أحيانا في النار أحياء، أو يلقى بهم إلى السباع الجائعة، أو تلهب ظهورهم بالسياط ..

ثم تغير الحال حين اعتنق قسطنطين النصرانية، أو ادعى اعتناقها كما يقول فريق من المؤرخين الأوربيين أنفسهم، بهدف سياسي هو المحافظة على وحدة الإمبراطورية الرومانية التي كان النزاع بين الوثنيين والمعتنقين للنصرانية فيها يوشك أن يهز كيان الدولة كله.

منذ ذلك الحين بدأ نفوذ رجال الدين يزداد، وبدأ الدين يأخذ مكانه في حياة الناس. ولكن ما الدين الذي عرفته أوربا، ومارست تجربتها الدينية من خلاله في قرونها الوسطى المظلمة؟

إن كل رسالة جاءت من عند الله كانت عقيدة وشريعة. عقيدة في الله الواحد الذي لا شريك له، وشريعة تنظم حياة البشر في الأرض بمقتضى المنهج الرباني، وأوضح ما يكون هذا في الرسالات الثلاث الأخيرة: التوراة والإنجيل والقرآن.

(1) - سنتكلم فيما بعد عن مدى هذا العذر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت