الصفحة 24 من 47

الدين الذي يخاصم العقلانية، والعقلانية التي تخاصم الدين، أمراض أوربية بحتة، لا صلة للعالم الإسلامي بها. ولكن الأمراض تنتقل من مكان إلى مكان، كما انتقل مرض الإيدز من بيئته الأصلية فانتشر في العالم كله، وكما انتشر مرض جنون البقر من بريطانيا إلى بلاد أوربية أخرى، رغم إجراءات الحظر المفروضة عليه!

والعقلانية التي تخاصم الدين تحاول اليوم أن تنتقل إلينا من خلال"مقالات العلمانيين"التي يبثونها فيي مختلف وسائل الإعلام، من كتب وصحافة وإذاعة ومسرح وسينما وتلفاز!

فلنحتكم في شأن العقلانية إلى العقل ذاته، ولننظر ماذا يقول!

في قرون أوربا الوسطى المظلمة نشأ خصام بين الكنيسة -حامية الدين والمتحدثة باسمه- وبين العقل، لظروف محلية بحتة، لا صلة لها"بالإنسان"من حيث هو إنسان. ومن ثم فهي لا تنطبق إلا على الإنسان الأوربي الذي وقع في تلك الظروف، ولا يصح -عقلا- تعميمها على كل بني الإنسان رغم اختلاف الظروف.

لقد احتفظت الكنيسة لنفسها بحق تفسير النص الديني، واحتفظت لنفسها بأسرار لا تكشف سرها لعامة الناس بدعوى أنهم لن يستطيعوا فهمها، وأن عليهم أن يؤمنوا بها دون نقاش، وإلا اعتبروا ملاحدة مهرطقين، ينالهم ما تفرضه عليهم الكنيسة من عقاب قد يصل -كما أشرنا في الفصول السابقة- إلى إهدار الدم أو الحرق في النار.

وتحت هذا التهديد خضع الناس، وكفوا عقولهم عن التفكير إلا فيما تصرح الكنيسة للناس بالتفكير فيه، وعلى النحو الذي تسمح لهم بالتفكير فيه. وولدت أجيال من البشر في أوربا خلال قرون متعاقبة مستسلمة لهذا الأمر، تعيش في الظلام ولا تحس أنها تعيش في الظلام، بل ترى أن كل شيء يسير في وضعه الطبيعي الذي وضعه الخالق ليسير عليه البشر، وذلك بسبب النفوذ الروحي الضخم الذي كان لرجال الدين على قلوب الناس، المستمد أساسا من كونهم وسطاء بين العبد والرب .. وسطاء لا تردّ وساطتهم!

ولكن حين احتكت أوربا بالإسلام والمسلمين تغيرت نظرتها، وتغير إحساسها بالأشياء، فأحست -لأول مرة- أن ما تعيش فيه ظلمات لا ينبغي أن تستمر، وحجر على العقول لا مسوغ له، واستسلام لطغاة من البشر، هم أولا وآخرًا بشر لا قداسة لهم، ولا عصمة لأقوالهم ولا أفعالهم.

وهنا بدأ التمرد على سلطان الكنيسة، وبدأت هي من جانبها تشتد في الدفاع عن كيانها، وتشتط في معاملة الخارجين عليها، بما هو معروف باسم"محاكم التفتيش"التي كانت هي ذاتها وقودا أشعل الثورة عليها في النهاية للقضاء على ظلمها وظلماتها .. وذلك بالإضافة إلى حماقات الكنيسة الأخرى التي كانت ترتكبها في حق نفسها وفي حق الناس، من فساد أخلاقي يصل إلى حد التهتك، وبيع لصكوك الغفران، ووقوف في صف الأباطرة ورجال الإقطاع ضد حركات الإصلاح .. إلخ .. إلخ.

عندئذ انقلبت أوربا- في نهضتها- مائة وثمانين درجة كاملة .. من دين يخاصم العقل إلى عقلانية تخاصم الدين!

كان الانقلاب انتقاما من الكنيسة، وتشفيا فيها، ومحاولة لمحو كل آثارها!

و"مثقفونا"قد لا يصدقون أن"العملاق"الأوربي يتخبط في سيره من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، لأنهم يرونه في بهرتهم مستقيم الخطى، صاعدا أبدا إلى الذرى، مالكا لأمره في كل مرة، يحسب حساب كل خطوة قبل أن يخطوها، ويتحرك حسب منهج مدروس!

ولكن الواقع لم يكن كذلك .. وكثير من تقلبات الفكر الأوربي لم تكن أفعالا بقدر ما كانت ردود أفعال، ولم تكن صادرة عن حسابات سليمة، ترى النتائج حين تضع المقدمات!

كانت الكنيسة ظالمة وجائرة وجاهلة .. نعم! ولكن لم يكن كل ما تقوله خرافة، ولم يكن كل ما تقوله جديرا بأن يداس -في فورة الغضب- تحت الأقدام!

كانت تقول بوجود إله .. وهذا حق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت