الصفحة 39 من 47

كانت أوربا في الفترة التي سيطر فيها رجال الدين متأخرة جاهلة منغلقة محدودة الآفاق.

وحين نبذت دينها تقدمت وتعلمت وتحضرت واتسعت آفاقها ..

هذه حقيقة تاريخية لا وجه للجدال فيها ..

ولقد تواكبت جملة عوامل أدت كلها إلى القفزة الهائلة التي قفزتها أوربا في مجالات القوة العلمية والقوة الاقتصادية والقوة الحربية والقوة السياسية .. وحدث ذلك كله في الفترة التي نبذت فيها أوربا دينها، مما رسّخ في حسها أن نبذ الدين هو السبيل إلى كل تقدم، كما أن الدين كان هو السبب في التأخر الماضي كله، فلا عودة إليه، لأن العودة معناها الخروج من النور إلى الظلام.

وهذا الذي رسخ في حس أوربا بعضه حقائق، وبعضه ظنون نشأت عن موافقات معينة حدثت منذ النهضة، لا تشكل بالضرورة سببا ونتيجة، ولكنها في الجو المحموم الذي صاحب النهضة ضد الدين والكنيسة، أخذت صورة السبب والنتيجة سواء في حالة السلب أو الإيجاب، أي في كون الدين سبب كل مصيبة، وأن نبذ الدين سبب كل فلاح!

كان الدين ورجاله في عصور أوربا الوسطى المظلمة على الحالة التي وصفناها من قبل، والتي تفيض المراجع الأوربية في وصفها بكل قبيح من الأوصاف.

ولكن الغلطة الأولى في تصورات أوربا في عصر النهضة كانت في تصورها أن الدين من حيث هو، هو سبب البلاء كله. وقد كانت التجربة الإسلامية المعروضة أمام أوربا بوضوح في الأندلس وغيرها من بلاد الإسلام كفيلة بأن تبصرها بالحقيقة، وهي أن سبب البلاء لم يكن الدين من حيث هو، إنما كان تصرفات الكنيسة بذلك الدين.

ولا تقف الحملة الشرسة التي وقفتها الكنيسة ضد الإسلام عذرا في تغييب هذه الحقيقة عن ذهن أوربا، لو أخذنا الأمور بميزان العقل الذي تزعم أوربا أنها فاءت إليه، فقد كان الموقف كله انفعاليا واضح الانفعال، لا أثر للتعقل فيه!

ثم اكتشف نيوتن قانون السببية كما أشرنا في فصل سابق فأضاف هذا في حس أوربا بعدًا جديدًا ضد الدين؛ مؤداه أن العلم يصلح بديلا من الدين، بل هو البديل الصحيح الذي يدفع بالبشرية إلى الأمام.

وكان هذا وهما جديدا من أوهام النهضة الأوربية غير المستبصرة .. فقد كانت التجربة الإسلامية -كما قلنا- معروضة بوضوح أمام أوربا، وكان واضحا فيها ليس فقط أنه لا يوجد تعارض بين الدين والعلم، بل إن الدين كان هو الدافع إلى العلم.

ولا تقف الحملة الشرسة التي قامت بها الكنيسة ضد العلماء الذين قالوا بكروية الأرض عذرا في تغييب هذه الحقيقة عن ذهن أوربا، فالشخص العقلاني المتنور لا يأخذ الانفعال فينسيه الحقائق، ولا يتصرف إزاء الحقائق بانفعالاته!

إن اكتشاف قانون السببية قد جعل رجلا مثل"برنتون"يقول:"إن السببية تهدم كل ما بنته الخرافات والإلهامات والمعتقدات الباطلة (يقصد المعتقدات الدينية) في هذا العالم" [1] .

ويقول في الصفحة نفسها:"الإله في عرف نيوتن أشبه بصانع الساعة، ولكن صانع هذه الساعة الكونية، ونعني بها الكون، لم يلبث أن شد على رباطها إلى الأبد، فبإمكانه أن يجعلها تعمل حتى الأبد. أما الرجال على هذه الأرض فقد صممهم الإله كأجزاء من آلته الضخمة هذه ليجروا عليها. وإنه ليبدو أن ليس ثمة داع أو فائدة من الصلاة إلى الإله صانع هذه الساعة الضخمة الكونية، الذي لا يستطيع إذا ما أراد التدخل في عمله"!!

وقال في الكتاب نفسه قبل ذلك بصفحات:"فالمذهب العقلي يتجه نحو إزالة الله وما فوق الطبيعة من الكون. فإن نمو المعرفة العلمية وازدياد الاستخدام البارع للأساليب العلمية يرتبط بشدة مع نمو الوضع العقلي نحو الكون" [2] .

حماقات .. !

(1) - منشأ الفكر الحديث، ترجمة عبد الرحمن مراد، ص151 من الترجمة العربية.

(2) - المرجع السابق، ص103.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت