ولقد سجل القرآن الكريم كل انحرافات البشر العقدية، بما فيها بعض تخرصات اليهود على ذات الله سبحانه وتعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ) (سورة المائدة الآية: 64) ، (لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء) (سورة آل عمران الآية: 181) . فهل سجلها ليعرضها على أنها واقع فحسب؟ أو سجلها ليعطيها شرعية الوجود؟ أم سجلها ليبين انحرافها، وينكر عليها، ويثير في نفس المؤمن استعظام الجرم الذي ارتكبه قائلوها، ومدى خروجهم على آدميتهم وعتوّهم على أمر الله [1] ؟
كلا! ما هذا تكون الأمور في المجتمع المسلم الملتزم بما أنزل الله ..
ولا نقول مع ذلك إن"الآخر"ليس له دور يؤديه في واقعنا المعاصر! بل نقول على العكس إن له دورا هائلا عليه أن يؤديه!
إن المجتمع الإسلامي في واقعه المعاصر مليء بالانحرافات والأمراض والآفات. وإن الأمة في واقعها المعاصر قد بعدت بعدا شاسعا عن الصورة التي أرادها لها الله وأخرجها من أجلها:
(كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) (سورة آل عمران الآية: 110) .
(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) (سورة البقرة الآية: 143) .
وهي في حاجة لمن يذكرها: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) (سورة الذاريات الآية: 55) .
وفي حاجة لمن يردها عن انحرافاتها ويعيدها إلى الطريق: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (سورة آل عمران الآية: 104) .
في هذه النقطة لا خلاف بيننا وبين العلمانيين.
فنحن جميعا متفقون على وجود الأمراض في المجتمع الإسلامي، ومتفقون جميعا على ضرورة علاج هذه الأمراض إذا أريد لهذه الأمة أن تنزع عنها تخلفها، وتعود إلى الحياة من جديد. ولكن موضع الخلاف هو في تشخيص المرض ووصف العلاج. فهم يرون أن السبب فيما أصاب الأمة من الأمراض هو الدين، وأن العلاج -على الطريقة الأوربية- هو نبذ الدين أو تحجيمه كما فعلت أوربا لتخرج من قرونها الوسطى المظلمة.
ونحن نرى أن السبب فيما أصاب الأمة من الأمراض هو الانحراف عن الدين، وأن العلاج -على الطريقة الإسلامية- هو العودة الصحيحة إلى دين الله القويم، الذي أنزله الله ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، بدءًا بتعريف الناس ما جهلوه من حقائق الدين، وانتهاء بتربية الأمة على مقتضيات هذا الدين، لتعود كما أرادها الله: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) .
والذي تحتاج إليه الأمة في واقعها المعاصر هو ذلك الداعية المربي، الذي يبين الحقائق ويربي الناس عليها .. وهو هو"الآخر"الذي تتضافر قوى كثيرة في الأرض على خنق صوته وإخماد نشاطه تحت شتى المعايير .. وهو هو الذي يحتاج أن نقرر له شرعية الوجود، وشرعية التعبير عما يريد!
(1) - انظر إن شئت كتاب"منهج الفن الإسلامي".