الصفحة 37 من 47

قد يزعم العلماني أنه لا ينقض كلام الله، إنما ينقض فهم الآخرين لكلام الله، وهو أمر بشري في نهاية المطاف! وما دمنا نفهم القرآن بعقولنا البشرية، والعقول تختلف، والأفهام تختلف، فمن حق أي بشر أن يفهم من القرآن غير ما فهمناه نحن، ولا يكون بذلك قد خرج عن إطار الإسلام!

وفي هذا القول مغالطات كثيرة ..

فمهما اختلفت العقول -السوية- ففي إطار معين، تحدده اللغة ذاتها. وإلا فلو أن من حق كل إنسان أن يفهم من اللغة ما شاء على هواه، فكيف تصبح اللغة أداة تفاهم بين الخلق، وأداة اتصال اجتماعي وفكري؟! وكيف تؤدي مهمتها في حياة البشر؟!

كيف يتأتى لعقل -سوي- أن يترجم"لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"إلى: أنه يمكن أن يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه .. ثم يكون بعد ذلك"مؤمنا"بصحة النص؟! إلا أن يلغي"العقل ذاته، ومعاييره، ومفاهيمه .. أو يقر بأنه"غير مؤمن"بما يدعي الإيمان به!"

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى: إذا كنا قد عبنا على"المفكر الحر"الغربي -على الرغم من كل دوره في"التنوير"وإخراج أمته من بعض ظلماتها- أنه قد شطح بتأثير الانفعال غير العقلاني، فأنكر ما في دينه من الحقائق، مكايدة للكنيسة وطغيانها، فأدخل أمته في ظلمات من نوع جديد، فكيف يتأتى لنا أن ننادي بحق المفكر العلماني الذي يحمل اسما مسلما أن يشطح فينكر حقائق دينه، وهي حقائق ربانية المصدر، لا مجال فيها للتأويل الذي يخرجها عن أصولها ومصداقيتها بدلالة اللغة ذاتها التي هي منطق العقول؟!

أما الفن!

فالفنان المسلم هو مسلم أولا، أي ملتزم بمقررات دينه، ثم هو فنان بعد ذلك [1] ، وكونه فنانا، و"مبدعا"، لا يخرجه عن التزامه بمقررات دينه، ولا يبيح له أن يسخر منها ويهزأ بها، وإلا أخرجه ذلك من إسلامه. وقد قال تعالى في حق بعض أولئك المستهزئين: (قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللّهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ، وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) (سورة التوبة: الآيات: 64 - 66) .

وهؤلاء -وأمثالهم- هم الذين يعتذر لهم العلمانيون بعذر لم يجزه لهم الله سبحانه، وحكم عليهم بالردة، فكيف يكون لهم في المجتمع المسلم شرعية الوجود، وحرية التعبير عما في أنفسهم ولو خالفوا كل مقررات الدين؟

إن منهج الفن الإسلامي لا يحرّج على الفنان المسلم أن يتناول أي موضوع يشاء، ولكن مع الالتزام بمقررات الدين وروحه وتوجيهاته. ولقد تناول القرآن الكريم قصة امرأة العزيز مع يوسف عليه السلام، فكيف تناولها؟ ألتبريرها بحجة الواقعية؟ ألتلذيذ القارئ بالفاحشة كما تصنع الفنون الهابطة؟ أم لإثارة الاستنكار لها والتنفير منها؟ ثم كيف ختمت القصة في القرآن الكريم؟ أبلحظة الهبوط أم بلحظة الإفاقة والعودة إلى السلوك السوي؟ وهكذا يكون تناول الفنان المسلم لانحرافات الكيان البشري. لا لإقرارها على أنها واقع، ولا لتبرير وجودها لمجرد أنها صادرة عن"الإنسان"!

(1) - انظر إن شئت فصل"طبيعة الالتزام في الأدب الإسلامي"من كتاب"من قضايا الفكر الإسلامي المعاصر".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت