ما بعد الحداثة نتوقع أن يكون هو العودة إلى الدين!
في عام 1385هـ (1965م) أصدرت كتابا بعنوان"جاهلية القرن العشرين"تحدثت فيه عن مظاهر الجاهلية السائدة في العالم الذي لا يحكم بما أنزل الله، ويرفض أن يرجع إلى حكم الله في شأن من شئون الحياة الدنيا، وتحدثت عن آثار هذا الوضع في حياة الناس، وتوقعت -في الفصل الأخير من الكتاب- أن يعود الناس في النهاية إلى الله.
ومما قلته في ذلك الفصل (وهو بعنوان العودة إلى الله) :
"هذا الشقاء الذريع الذي تقاسيه البشرية تحت وطأة الجاهلية الحاكمة في كل الأرض .."
هذا العذاب القاتل الذي يصوغ حياة الناس ..
هذا القلق المدمر للأعصاب ..
هذا الفساد الذي يوقع المظام بالناس: في السياسة والاقتصاد والاجتماع والأخلاق وعلاقات الجنسين والفن .. وكل شيء ..
هذا -بذاته- عامل من العوامل التي ستعيد الإنسان إلى الله .."."
وفي نهاية الفصل كتبت هذه السطور:
"سيعود الإنسان إلى الله!"
سيعود شديد الإيمان!
فبقدر الكفر الحالي .. بقدر عذابات الناس .. وبقدر ظلام الطاغوت .. سيكون النور!
وبشائر هذا النور .. بادية في الظلمات ..
وغدا يشرق دين الله ..
وسواء أبصرناه بأعيننا في العصر المحدود .. أم كان غدا .. في جيل آخر ..
سيعود الإنسان إلى الله!
سيعود شديد الإيمان!""
واليوم بعد مضي هذه السنوات الطوال، ما زلت أردد ما قلته بالأمس، ولكن باقتناع أكثر، ويقين أعمق .. !
في تلك السنوات الطويلة بالنسبة إلى عمر الفرد، ولكنها قصيرة في عمر الأمم والشعوب، حدثت تحولات كثيرة في حياة الناس ..
من ناحية زادت المظالم في السياسة الدولية، وانكشف المستور، من سعي أمة بعينها إلى السيطرة على العالم كله بالإرهاب الحربي والإرهاب الاقتصادي والإرهاب السياسي والإرهاب العلمي والإرهاب التكنولوجي، ومن ورائها سيطرة اليهود ..
ومن ناحية أخرى زاد الفساد والفجور في الأرض إلى درجة لم يسبق لها مثيل في التاريخ، وتبجح الفساد فطالب بمنحه شرعية الوجود، وشرعية الدعوة إلى ما يدعو إليه من التبذل والفجور والشذوذ، في"مؤتمرات"داعرة تقام تحت راية"الأمم المتحدة"، وتهديدات من هيئة الأمم بإصدار"قرارات حرمان"لمن يستعصي على هذا الفساد، ويرفض أن يحميه أو ينخرط فيه!!
(أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) (سورة الأعراف من الآية: 82) .
وفي الوقت ذاته حدثت في داخل خضم الفساد هذا موجة راجعة .. تريد الرجوع إلى الدين .. تريد الرجوع إلى الله!
فبعد انهيار الاتحاد السوفييتي الذي كان يحمي الشيوعية، هرع الناس في شرق أوربا إلى الكنائس التي كانوا قد هجروها تحت وطأة الحديد والنار .. أما المسلمون في تلك البلاد فقد عادوا بطبيعة الحال إلى مساجدهم في قوة وحماس.
وفي أمريكا وغرب أوربا حركة نشيطة تقوم ببناء الكنائس، ورواد متحمسون يرتادونها ليتعبدوا فيها. وقد سعى اليهود -مؤقتا- إلى السيطرة على هذه الموجة الراجعة في محيط النصارى، وتسخيرها لحسابهم، فقالوا لهم إن المسيح قادم في الألفية الثالثة، وإنه سيحكم الأرض ألف عام، ولكنه لن ينزل حتى يبني هيكل سليمان، والهيكل مكانه المسجد الأقصى، فأعينونا على هدم المسجد الأقصى، لينزل مسيحكم، ويحكم الأرض ألف عام! وقد دخل في هذه الدوامة ملايين من البشر في غرب أوربا وأمريكا، ليسوا كلهم من عامة الناس، بل فيهم مثقفون، وسياسيون كبار!
ولكن بصرف النظر عن سعي اليهود هذا، ومحاولة استغلالهم للموجة الراجعة، فإن الذي يهمنا هو الموجة ذاتها، ودلالتها .. ودلالتها واضحة .. إنها بدء العودة إلى الله.