من القضايا التي يثيرها العلمانيون كثيرا قضية"الآخر"الذي يخالفنا في الرأي، وضرورة الاعتراف له بشرعية الوجود، وحرية التعبير عما يريد، وبالأسلوب الذي يراه مناسبا للتعبير عما يريد.
ولن نسأل العلمانيين هنا عن موقفهم هم من"الآخر"الذي يخالفهم في الرأي، حين يكون هذا الآخر إسلاميا -أصوليا كما يسمونه- كما ينددون بوجوده، وكم يدعون إلى استئصاله، ويستعدون قوى العالم ضده، ويسكتون السكوت المخزي عما يلقاه في سجون الطغاة ومعتقلاتهم من صنوف التعذيب الوحشي، وأقصى ما يصفونها به -إن اضطروا إلى ذلك- أنها"تجاوزات"كان يحسن ألا تقع!
لن نسأل عن ذلك، لأننا نريد أن نبحث القضية بحثا موضوعيا هادئا بلا انفعال.
فمن هو"الآخر"الذي يريدون له شرعية الوجود، وحرية التعبير عما يريد؟ وهل هو نبتة محلية، نبتت تلقائيا من ظروفنا وبيئتنا؟ أم هو نبتة"مستوردة"جيء بها من بيئة أخرى، ومن ظروف غير ظروفنا؟
فلنرجع إلى المنبت الأصلي للقضية .. أي إلى أحوال أوربا في مبتدأ خروجها من قرونها الوسطى المظلمة (راجع الفصل الأول من الكتاب) .
لقد كان طغيان الكنيسة كما وصفناه من قبل، وكما هو معروف ومشهور من مراجع الأوربيين أنفسهم، وكانت تفرض على الناس أفكارا ومعتقدات لا تقبل النقاش فيها، وتطالب"المؤمنين"بالتسليم بها تسليما مطلقا بغير جدال، وتعتبر من يحاول مناقشتها مهرطقا ملحدا مستحقا للعقاب في الدنيا والآخرة: في الدنيا بوسائل التعذيب الوحشي الذي تمارسه محاكم التفتيش، وفي الآخرة بالحرمان من"ملكوت الرب"الذي تزعم أن الله أودعها مفاتيحه، وأن ما تربطه الكنيسة على الأرض لا يحل في السماء، وما تحله في الأرض لا يربط في السماء.
وكان فيما تفرضه الكنيسة وتطلب التسليم به بغير نقاش بعض الحقائق، وكثير من الأباطيل التي لا سند لها إلا مزاعم الكنيسة، سواء في أمور العقيدة أو في أمور الحياة الدنيا، وفي المجال العلمي خاصة.
وكان العامة يتبعون الكنيسة في كل ما تقول، ربما عن إيمان حقيقي بما تقول، أو خوفا من السلطان الطاغي الذي تمارسه الكنيسة على القلوب والعقول والأرواح، والذي لا يتيح لأحد أن يجرؤ على المخالفة حتى في دخيلة نفسه لأن"قداسة"البابا- ممثل الله على الأرض- يمكن أن يطلع على خائنة الأعين وما تخفي الصدور!
ويجب أن نتذكر أن هذا السلطان الطاغي قد نشأ أصلا من تحول الدين -على يد الكنيسة- إلى عقيدة بلا شريعة، وكل دين هذه صفته يتحول حملته إلى"كهنة"، ثم يصبح الكهنة وسطاء بين العبد والرب، رضاهم من رضا الإله، وغضبهم من غضب الإله، فتصبح لهم سطوة على قلوب العباد .. وقد تكرر هذا مرات كثيرة في التاريخ.
وظل الأمر في أوربا على هذه الصورة قرونا ذوات عدد، حتى بدأت أوربا تخرج من ظلمات قرونها الوسطى المظلمة على طرقات الإسلام، سواء في الحروب الصليبية، أو عن طريق العلاقات التجارية بين جنوة والبندقية والعالم الإسلامي، أو بتأثير الحضارة الإسلامية في الأندلس وصقلية الإسلامية وغيرها من مراكز الحضارة، أو بتأثير حركة الترجمة وخاصة في المجال العلمي، في الطب والفلك والفيزياء والكيمياء والرياضيات [1] .
وبدأ مع النهضة بروز"المفكر الحر"، الذي لا يدين بما تدين به الكنيسة، ولا يرضخ لسلطانها، ولا يتخذها مرجعا له في الفكر أو السلوك، وولدت من ثم قضية"الآخر"في الحياة الأوربية.
ويهمنا في موضوعنا الراهن أن نتعرف على موقف الكنيسة من جهة، وموقف"الجماهير"من جهة أخرى من"المفكر الحر"لنتعرف على أركان القضية في بيئتها الأصلية.
(1) - انظر إن شئت فصل"التأثير الإسلامي على أوربا في عصر النهضة"من كتاب"من قضايا الفكر الإسلامي المعاصر".