لقد تضافرت عوامل كثيرة في تكوين ذلك"المفكر الحر"في عصر النهضة، كان من أبرزها -وإن أنكرت أوربا ذلك وكرهت أن تُقِرّ به- بدء إحساس أوربا- بعد احتكاكها بالإسلام- بما كانت تعيش فيه من الظلام دون أن تدرك أنه ظلام، وتكوّن الرغبة عندها في الخروج من ذلك الظلام إلى النور، بعدما رأت كيف ينطلق"الإنسان"-في العالم الإسلامي- مفكرا ومبدعا وعالما وناشطا في مجالات الحياة المختفة بلا معوّق يعوقه عن الانطلاق.
وكانت الحركة العلمية التي نشطت في أوربا بعد تتلمذها على علماء المسلمين، وأخذها عنهم المنهج التجريبي في البحث العلمي [1] ، ذات أثر كذلك في تكوين"المفكر الحر"الذي لا يعترف بالكنيسة مرجعًا له، ويتجه إلى تقليص نفوذها ومحاربته. فقد كشفت تلك الحركة العلمية -من جهة- زيف كثير من المعلومات التي كانت تتبناها الكنيسة، وتعتبرها"حقائق مقدسة"لمجرد كونها تتبناها، ومن جهة أخرى فإن الفظاظة الوحشية التي عاملت بها الكنيسة العلماء كونها تتبناها، ومن جهة أخرى فإن الفظاظة الوحشية التي عامت بها الكنيسة العلماء الذين قالوا بكروية الأرض وأنها ليست مركز الكون -مخالفين بذلك مقولات الكنيسة- فحكمت عليهم الكنيسة بالحرق في النار أحياء، كان لها أثر بعيد في تنفير الناس -وخاصة المتنورين منهم- من الكنيسة وظلمها وظلماتها وجهالتها.
فإذا أضفنا إلى ذلك سقطات الكنيسة الأخرى من الفساد الخلقي لرجال الدين، وغرقهم في الترف الفاجر والناس جياع، وفضائح الأديرة، ومهزلة صكوك الغفران، ووقوف الكنيسة ضد حركات الإصلاح، سواء الإصلاح الديني أو الإصلاح الاجتماعي .. فقد كانت هذه كلها عوامل تغذي بروز"المفكر الحر"في المجتمع الأوربي.
وهنا واجهت ذلك"المفكر الحر"قوتان جبارتان، كان عليه أن يخوض معهما حربا طويلة مجهدة، إحداهما الكنيسة، وثانيتهما"الجماهير"!
فأما الكنيسة فقد سارعت إلى اتهام المفكر الحر بالهرطقة والإلحاد. وحقًا لم يكن ذلك"المفكر الحر"مؤمنا بدين الكنيسة، وربما لم يكن مؤمنا بأي دين! وقد يعجب الباحث في المعاجم الأوربية حين يكشف عن معنى free thinker في المعجم الإنجليزي مثلا فيجد معناها -أو من معانيها- الملحد الذي لا يؤمن بالدين! ومن جانبه فقد رد هو عليها فوصفها بالجهل والظلام والتخلف والتعنت والانغلاق والقسوة والتحجر.
أما معركته مع"الجماهير"فقد كانت ذات طابع مختلف، وإن كانت تسير على خط مواز لخط الكنيسة، فقد أخذت عليه الجماهير خروجه عن مألوف الناس، ومناداته بأفكار تخالف ما نشأت عليه تلك الجماهير وتوارثته جيلا وراء جيل خلال عدة قرون. وكانت معركته مع الجماهير مركزة على حقه في مخالفة الأوضاع السائدة في المجتمع، سواء كانت عقدية أو فكرية أو علمية أو سياسية أو اجتماعية، وحقه في التعبير عما يخالج ضميره من أفكار ومشاعر، ولو تصادمت مع ما يؤمن به المجتمع في كل تلك المجالات.
وغني عن البيان أن المعركة لم تكن سهلة ولا هينة، وأنها استغرقت عدة مراحل حتى انتهت إلى تقرير هذا الحق في صورته الراهنة اليوم.
(1) - اقرأ على سبيل المثال كتاب"زيجريد هونكه""شمس الله تشرق على الغرب"، وكتابها"الله ليس كذلك"و"حضارة الإسلام"لفون جرونيباوم وغيرها.