الصفحة 16 من 47

الحكومة"الثيوقراطية"التي تترجم باسم"الحكومة الدينية"حكومة سيئة السمعة في التاريخ الأوربي، تتمثل فيها كل مظالم الكنيسة الأوربية وظلماتها، كما تتمثل فيها جرائمها وحماقاتها، من حجر على الفكر، وتضييق على الناس، وجمود وكبت، وقسوة وعنف، واتهام للناس بالباطل، وتصيد للأخطاء أو المخالفات من أجل الإيقاع بالناس تحت طائلة العقاب الذي يصل أحيانا إلى حد إهدار الدم، وحرق الناس أحياء بتهمة الكفر والإلحاد .. وتقترن الحكومة"الثيوقراطية"في ذهن الإنسان الأوربي بمحاكم التفتيش، وما صاحبها من الفظائع في القرون الوسطى الأوربية المظلمة.

ويعمد"المثقفون"عندنا إلى وصف الحكومة الإسلامية التي تحكم بما أنزل الله بأنها حكومة دينية، أو حكومة"ثيوقراطية"ليلصقوا بها كل فظئع الحكومة الثيوقراطية الأوربية وشناعاتها، وينفّروا الناس منها ومن الداعين إليها، بوصفهم"ظلاميين"يريدون أن يرجعونا إلى القرون الوسطى المظلمة.

وهنا تكمن المغالطة التي يقع فيها أولئك"المثقفون"بوعي منهم أو بغير وعي.

فلننظر في الأمر في هدوء البحث"العلمي""الموضوعي"لنرى هل يصدق الوصف؟ وهل يصلح القياس؟ وهل كانت تجربة أوربا تجربة"إنسانية"بمعنى أنها ظاهرة تاريخية شاملة تشمل كل البشرية، أم تجربة أوربية خاصة، أو بالأحرى مرضًا أوربيًا خاصًا بالتاريخ الأوربي؟

فما هي على وجه التحديد تلك"الحكومة الثيوقراطية"التي حكمت أوربا في قرونها الوسطى المظلمة؟

إنها على وجه التحديد"حكومة رجال الدين". حكومة تحكم الناس باسم الدين، وفي الوقت ذاته لا تحكّم شريعة الله!

ولنعد قراءة بيان البابا نقولا الأول الذي أثبتناه في الفصل السابق:

"إن ابن الله أنشأ الكنيسة بأن جعل الرسول بطرس أول رئيس لها. وإن أساقفة روما ورثوا سلطات بطرس في تسلسل مستمر متصل. ولذلك فإن البابا -ممثل الله على ظهر الأرض- يجب أن تكون له السيادة العليا والسلطان الأعظم على جميع المسيحيين حكاما كانوا أو محكومين".

وواضح لكل من يستطيع القراءة أنها سيادة البابا وليست سيادة القانون! ليست سيادة الشريعة!

وهذا فارق رئيسي بين الحكومة الثيوقراطية الأوربية -حكومة رجال الدين- وبين الحكومة الإسلامية التي تحكّم شريعة الله.

وإذا كانت أوربا لا تدرك هذا الفارق، أو تتجاهله، بسبب سوء تجربتها الدينية، التي لم تعرف"الدين"فيها إلا عن طريق"رجال الدين"، ولم تعرف الممارسة الدينية إلا بالطريقة التي علمها إياها رجال الدين، فنحن المسلمين أحرى أن تكون لنا رؤيتنا الخاصة؛ لأن تجربتنا الدينية مختلفة من أساسها، سواء في أصولها النظرية أو تطبيقاتها العملية، بحيث لا يصلح القياس.

فابتداء، ليس في الإسلام رجال دين! لا توجد فيه هيئة"إكليروس"ذات مسوح خاصة، ولها"قداسة"ولها سلطان روحي على الناس، مستمد من كونها وسيطا بين العبد والرب، رضاها من رضا الله، وغضبها من غضب الله، عن طريقها يتم الغفران للناس، وعن طريقها يتم الحرمان من الملكوت في الآخرة .. إنما فيه -كما قلنا في الفصل السابق- علماء وفقهاء، يوقّرون لعلمهم، وعلى قدر علمهم، ولكن لا قداسة لهم، ولا عصمة لهم كذلك فيما يقولون وما يفعلون، فكلهم يؤخذ من كلامه ويرد. والعصمة هي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي لا ينطق عن الهوى، إنما ينطق عن وحي يوحى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت