الصفحة 17 من 47

وهؤلاء العلماء والفقهاء هم -بعد التحاق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى- هم الذين يعلمون الناس الدين، نعم، ولكنهم لا يبتدعون شيئًا من عند أنفسهم، ولا تقبل منهم بدعة. وإنما مصدر"العلم"في الإسلام هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهو علم يحمل ضوابطه الذاتية:

(إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (سورة الحجر الآية: 9) .

فالحفظ من عند الله، والضوابط من عند الله.

والعلماء بشر .. والبشر يخطئون ويصيبون .. وقد تختلف أفهامهم إزاء النص الواحد، ولو كان هو النص القرآني أو الحديث النبوي. وقد اختلف العلماء بالفعل في أمور كثيرة. ولكن هناك أمورًا أساسية لم يختلف عليها أحد، ولا يمكن أن يختلف عليها في الإسلام أحد، وهي التي عرّفت بأنها"المعلوم من الدين بالضرورة". أبرز هذه الأمور قضية الألوهية. قضية التوحيد.

من الإله؟ أإله واحد أم آلهة شتى؟

(يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ) (سورة يوسف من الآية: 39 - 40) .

والتوحيد -الذي هو أساس الدين- له في الإسلام معنى محدد، ومواصفات محددة، حددها منزّل الدين، وبينها رسوله صلى الله عليه وسلم، الذي أرسله الله ليبين للناس ما نزل إليهم:

(وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) (سورة النحل الآية: 44) .

ويشمل التوحيد أمورا ثلاثة أساسية:

توحيد الله في الاعتقاد.

توحيد الله في العبادة.

توحيد الله في التشريع.

أي: الاعتقاد الجازم بوحدانية الله، وتفرده في ذاته وصفاته وأفعاله، وربوبيته وألوهيته.

وتوجيه كل شعائر العبادة من صلاة وصيام وزكاة ونسك ودعاء وذبح واستعانة واستغاثة إلى الله وحده دون شريك.

وتحكيم شريعته وحدها دون غيرها من الشرائع.

(فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) (سورة محمد الآية: 19) .

(وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) (سورة النساء الآية: 36) .

(ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) (سورة الجاثية الآية: 18) .

(أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (سورة المائدة الآية: 50) .

(فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (سورة النساء الآية: 65) .

والإخلال بأي من هذه الثلاثة ينقض الإيمان، ويدخل صاحبه في الشرك، فقد حكى الله عن المشركين قولهم:

(أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) (سورة ص الآية: 5) . فهذا شرك الاعتقاد.

(وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاء اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلا آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ) (سورة النحل الآية: 35) . فهذان هما شرك العبادة وشرك التشريع.

تلك من الأمور التي لا يختلف عليها في الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت