الصفحة 18 من 47

أما التفاصيل الدقيقة في هذه الأمور فقد تخفى على عامة الناس، وقد يقع الخلاف في بعضها بين العلماء أنفسهم، فيبحث فيها عن الدليل، ولا يتبع فيها إلا صاحب الدليل. أما أصول هذه القضايا الثلاث فليست موضع خلاف -ولا يجوز أن يكون فيها خلاف- لأنها"من المعلوم من الدين بالضرورة"الذي يقع التكليف فيه على الناس جميعا بصرف النظر عن مدى علمهم وفقههم، ولا يقبل من الناس عذر في مخالفتها، بعد أن بينها الله للناس في كتابه المنزل، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم.

والعلمانيون على أي حال لا يجادلون في قضية الاعتقاد، ولا في قضية العبادة، لأن أوربا لا تجادل فيهما، وإن أباحت حرية الإلحاد للملحدين، وأدخلت ذلك في باب"الحرية الشخصية"!

إنما تجادل أوربا في قضية التشريع، ومن ثم يجادل العلمانيون عندنا في القضية اتباعا لأوربا!

وفي وسط الجدل تضيع الحقائق، ويقال إن الحكومة الثيوقراطية في أوربا كانت شرا وفسادا وظلما وظلاما، وكذلك تكون كل حكومة تحكم"بالدين"!! فلا بد إذن من إقصاء الدين عن السياسية، وإيجاد"حكومة مدنية"لا تحكم بما أنزل الله!!

نحب أولا أن نشير إلى خطأ منهجي في وضع الإسلام على الموازين الأوربية البشرية، وقراءة النتائج بما تشير إليه تلك الموازين! فقد صنعت أوربا ذلك في دينها، وهي حرة تفعل بدينها ما تشاء. ولكنها كانت منطقية مع نفسها في ضلالتها (وليس معنى كونها منطقية مع نفسها، أن حكمها في القضية صحيح، إنما معناه فقط أن هناك ما يفسر وصولها إلى ذلك الحكم، والتفسير لا يعني التبرير، فليس هناك ما يبرر الخروج على حكم الله مهما تكن الظروف!)

إن أوربا -منذ النهضة- قد ألهت الإنسان بدلا من الله، ثم وضعت تجربتها الدينية في القرون الوسطى على ميزانها البشري فقررت أنها كانت ظلما وظلاما لا يجوز العودة إليه، فأصابت في جانب وأخطأت في جانب. أصابت في حكمها على التجربة التي خاضتها، ومارست الدين من خلالها، بأنها كانت خطأ لا يجوز أن يتكرر. وأخطأت في نسبة الخطأ إلى الدين ذاته، فقررت إبعاده عن الهيمنة على الحياة، وحصره -في أحسن الأحوال- في علاقة فردية بين العبد والرب، محلها القلب، ولا شأن لها بواقع الحياة، سواء الواقع السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الفكري أو التشريعي ..

أما نحن الذين نؤله الله ولا نؤله الإنسان فمن غير المنطقي بالنسبة إلينا أن نضع دين الله على موازين البشر، سواء أصابت هذه الموازين أو أخطأت .. وهنا قضية تلتبس فيها الأمور فيما يسمى"ميزان العقل"أي عقل؟ وعقل من على وجه التحديد؟ وسنناقش هذه القضية في فصل"العقلانية"، ولكنا نقول هنا في إشارة سريعة: أليس"العقل"الأوربي هو الذي يبيح الربا بكل مظالمه، وكا ما يؤدي إليه من غنى فاحش في جانب وفقر فاحش من جانب؟!

أليس"العقل"الأوربي هو الذي يبيح الفاحشة بكل ألوانها، شاذة وغير شاذة، بكل ما تؤدي إليه من انحلال في المجتمع وفساد في الأخلاق؟!

أليس"العقل"الأوربي هو الذي يبيح لخمسة من الطغاة -التي تسمي نفسها"الدول العظمى"-أن تمتنع عن الرضوخ للحق البين إذا كان على غير هواها، عن طريق"الفيتو"الذي يوقف كل عدل، ويحمي كل جبروت؟! والصحيفة لا تنتهي!

إنما المنطقي بالنسبة إلى الذين يؤلهون الله ولا يؤلهون الإنسان أن يكون دين الله عندهم هو الأصل، وهو الميزان الذي توزن به تصرفات البشر وأفكارهم ومناهجهم وراؤهم، فيقال عنها إنها صائبة أو خائبة بمقدار قربها من دين الله أو بعدها عنه:

(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) (سورة الحديد الآية: 25) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت