هذا من ناحية الاعتقاد .. أي فيما يخص قضية الألوهية: من الإله؟ الله أم الإنسان؟
وأما من ناحية الواقع فالإسلام لا ينطبق عليه أي ميزان من تلك الموازين التي تقيس بها الجاهلية المعاصرة أنظمتها، فلا هو حكومة"ثيولوجية"بالمواصفات الأوربية، ولا هو نظام"ديمقراطي"، ولا هو نظام"دكتاتوري"ولا هو نظام"شمولي".. ولا أي شيء من هذه النظم والأيديولوجيات ينطبق انطباقا صحيحا على الإسلام. إنما هو"الإسلام"بمواصفاته الخاصة التي نزل بها من عند الله، والتي قد تشابهها بعض النظم الأرضية وقد تبتعد عنها. فلا المشابهة تزيد من قدره، ولا المخالفة تضيره أو تنقص من قدره. ويظل هو كما هو، بصورته الربانية، بمقاييسه الخاصة، وتقاس إليه نظم الأرض كلها، لمن كانت عنده هواية القياس، ليُعرفَ مدى قربها أو بعدها من الإسلام!
سيقول العلمانيون: أي إسلام تقصدون؟ الإسلام الكلاسيكي؟ أم إسلام العصور الوسطى؟ أم الإسلام المعاصر؟ وأي إسلام معاصر؟ الإسلام السلفي أم الإسلام الليبرالي! (ونضيف نحن من عندنا: أم الإسلام الأمريكاني، الذي يراد تعميمه في المنطقة؟!) .
ونقول نحن: إن هذه التقسيمات مرفوضة ابتداء .. فهي تقسيمات المستشرقين، التي يبثونها في كتبهم لتمييع صورة الإسلام، والإيهام بأنه ليس شيئا واحدا ثابتا يمكن التعرف عليه من مواصفاته الخاصة، إنما هو صور وأشكال متباينة، وكلها إسلام! .. ويبلغ التبجح بأحد المستشرقين المعاصرين"ولفرد كانتول سميث"أن يسمي العلمانية الصارخة المحاربة لكل معنى إسلامي في تركيا أتاتورك بأنها صورة جديدة من صور الإسلام!! [1] كما أن هذا التقسيم: كلاسيكي ووسيط وحديث ومعاصر وهو تقسيم أوربا لتاريخها، قد يكون منطقيا مع ذلك التاريخ. أما تلبيسه على تاريخ الإسلام فإذا صنعه المستشرقون لغايات في نفوسهم، فلا يجوز لنا نحن استخدام مصطلحاتهم ولا تقسيماتهم، ونحن نملك مصطلحاتنا الخاصة وتقسيماتنا الخاصة التي استخدمها المؤرخون المسلمون: عصر صدر الإسلام -العهد الأموي- العهد العباسي -عصر المماليك- الدولة العثمانية .. وأهمية هذا التقسيم هي تقرير استمرارية هذا الدين وتاريخه في عصوره المختلفة، وأنه تاريخ"الأمة الإسلامية"الواحدة المستمرة، وذلك في مقابل التمييع والتلويع الذي يقصده المستشرقون!
ولا شك أن هناك فروقا في مظاهر المجتمع الإسلامي حدثت من عصر إلى عصر. وهذا الاختلاف في مظاهر المجتمع أمر واقع من جهة، ومحسوب حسابه في النظام الإسلامي ذاته من جهة أخرى.
فالله سبحانه وتعالى -منزل هذا الدين- يعلم علم اليقين أن حياة الإنسان تتغير باستمرار، عن طريق أدوات التغيير التي وهبها الله للإنسان سواء في ذات نفسه أو في الكون المادي الذي يتعامل معه:
(وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (سورة النحل الآية: 78) .
هذه هي الأدوات الحسية والمعنوية ..
(وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ) (سورة الجاثية الآية:13)
وهذا هو الكون المسخر للإنسان، والإنسان يحقق التسخير الرباني باستخدام الأدوات التي وهبها له الله.
(1) - في كتابه"Islam in Modern History"انظر إن شئت مناقشة له في كتاب"المستشرقون والإسلام".