الصفحة 20 من 47

وينتج عن هذا التفاعل بين الإنسان والكون حدوث أحوال جديدة في حياة الإنسان على الدوام. والدين المنزل من عند الله، المطلوب العمل به من مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، لم يقصد به منزّله سبحانه وتعالى تجميد الحياة على صورة واحدة لا تتجدد ولا تنمو ولا ترتقي .. وإنما على العكس من ذلك كلف الإنسان بعمارة الأرض ..

(هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (سورة هود الآية: 61) .

والعمارة تقتضي استخدام الأدوات والخامات، وينتج من استخدام الأدوات والخامات جديد على الدوام، عن طريق"العلم"واستخدام هذا العلم في مزيد من تحقيق التسخير الرباني لطاقات السماوات والأرض.

ولكن هذا الجديد المتجدد لا يغير أصول الحياة! لا يغير"الفطرة"التي فطر الله الناس عليها:

(فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (سورة الروم من الآية: 30) .

وسنعاود الحديث عن هذه النقطة في فصل"الحداثة"، ولكنا هنا نقول إن الله العليم الحكيم الذي خلق الإنسان ويعلم ما تسوس به نفسه:

(أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (سورة الملك الآية: 14) .

(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (سورة ق الآية: 16) .

إن الله سبحانه وتعالى يعلم أن حياة الإنسان على الأرض لا تستقيم حتى تكون له ثوابت معينة هي التي توجهه، وهي التي تحكم متغيراته، فأنزل في هذا الدين ما بين الثوابت التي تنظم حياة الإنسان، والتي لا تقف في الوقت ذاته في طريق التغيير الصحي الذي ينمي الحياة ويرقيها، ولكنها تضبطه فلا يقع في الانحراف الذي يفسد الحياة ويؤدي بها إلى البوار.

ومن بين هذه الثوابت -بل أساسها- التوحيد بجذوره الثلاثة: التوحيد في الاعتقاد، والتوحيد في العبادة، والتوحيد في التشريع.

وجعل في الشريعة المنزلة ما يواجه الثابت والمتغير معًا في حياة الإنسان. فالثابت أنزل فيه أحكاما مفصلة غير قابلة للتغيير، والمتغير أنزل فيه مبادئ عامة، وترك للعقل المؤمن أن يجتهد لتطبيقها على كل متغير بجدّ.

فثبّت أولا ضرورة التحاكم إلى شريعة الله دون غيرها من الشرائع، وجعل ذلك من أصول الإيمان: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ .. ) (سورة النساء الآية: 65) .

وثبت علاقات الجنسين وعلاقات الأسرة.

وثبت تحريم الربا وتحريم الزنا وتحريم الخمر وتحريم القتل وتحريم السرقة وتحريم العدوان، وجعل لكل ذلك"حدودا"ثابتة لا تتغير ..

كما ثبت أمورا أخرى في مجالات مختلفة ليس هنا مكان الحديث عنها، إنما تطلب في مباحث الفقه.

ولكنه في العلاقات الاقتصادية والعلاقات السياسية وفي"المعاملات"عموما قرر الأصول الثابتة، وترك للعقل المؤمن أن يجتهد لضبط المتغيرات فيها بضوابط الشريعة.

وهكذا يتحقق لهذه الشريعة الثبات والمرونة معًا في ذات الوقت.

فأما التغيرات التي تحدث في حياة المجتمع الإسلامي فالمرجح في الحكم عليها، لإقرارها أو رفضها -هو إلى هذه الثوابت، سواء فيها الثوابت التي لا تقبل التغيير، أو الثوابت التي تحكم التغيير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت