الصفحة 21 من 47

والحكم على أي مجتمع إسلامي، هل هو مستقيم أو منحرف، مرده إلى تلك المعايير .. ويبقى الإسلام هو الإسلام كما أنزله الله، لا يتغير من كلاسيكي إلى وسيط إلى حديث .. ويبقى المجتمع الإسلامي مسلما طالما التزم بثوابت الإسلام، وإن تغيرت مظاهر حياته، ما دامت في تغيرها ملتزمة بثوابت الإسلام .. فأما إن خرج عن تلك الثوابت وانحرف عنها، فهو بعيد عن الإسلام بمقدار انحرافه عنها، وعليه أن يسعى دائما إلى العودة والالتزام.

وهنا يجيء ختام حديثنا عن"الدولة الدينية"و"الدولة المدنية"وما يثور حولها من المغالطات.

فأما الدولة"الثيولوجية"-بمواصفاتها الأوربية -فهي أبعد شيء عن أن تسمى حكومة دينية، وإن كانت تزعم أنها تحكم الناس بالدين، وذلك لأنها لا تطبق شريعة الله.

(وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (سورة المائدة الآية: 47) .

والفاسقون لا يكونون أبدا هم أهل الدين!

إنما الصحيح أن نسميها -بحسب واقعها الأوربي-"حكومة رجال الدين".

فأما الحكومة الإسلامية -التي تحكم بما أنزل الله- فهي تختلف اختلافا جذريا عن الحكومة الثيولوجية الأوربية في أمرين رئيسيين: أنه ليس فيها"رجال دين"لأنه لا يوجد أصلا"رجال دين"في الإسلام، وأنها تحكم بشريعة الله .. وهذا الخلاف الجذري يخرجها من القياس الذي يفتعله العلمانيون ليشوهوا صورة الحكومة التي تحكم بما أنزل الله، وينفروا الناس منها لكيلا يسعوا إلى العودة إليها.

وفي الحكومة الإسلامية لا يجلس الفقهاء والعلماء في كراسي الحكم كما كان يفعل رجال الدين في الحكومة الثيولوجية الأوربية، ولو جليسوا فلا ضير عليهم ولا على الأمة منهم، ولكن الواقع التاريخي يقول إنهم كانوا أزهد الناس في مناصب السلطة وأبعدهم عنها! إنما يتولون الفتيا التي تبين للناس ما هو حلال وما هو حرام في تصرفاتهم، ويتولون تعليم الناس أمور دينهم، وكثيرا ما كانوا هم الملجأ الذي تلجأ إليه"الجماهير"لحمايتها من جور السلطان حين يقع الجور من السلطان.

إنما يجلس في مقاعد الحكم الفنيون الذي تؤهلهم مواهبهم وعلمهم أن يتبوءوا المناصب -وذلك بصرف النظر عما يحدث من مخالفات في التطبيق الواقعي، فإنما نتحدث هنا عن الأصل في الأشياء، وأما المخالفات فهي مخالفات لا تحسب على النظام، وهي تقع دائما في كل نظام بشري، ولكنها لا تتخذ ذريعة لإلغاء النظام!

والضمان الأكبر للعالة في ظل النظام الإسلامي هو تطبيق الشريعة، وهو المهمة الحقيقية والرئيسية للحكومة الإسلامية، التي تستمد شرعيتها أساسا من قيامها بها.

فإذا نظرنا إلى الواقع التاريخي الإسلامي فقد حدثت ولا شك مخالفات شتى في تطبيق الشريعة، نتجت عنها مظالم وقعت على الناس. وعلاج ذلك لا يكون بإلغاء الشريعة، كما يدعو العلمانيون، إنما بتربية الأمة التربية الصحيحة التي تضمن التطبيق السليم، والتي ترفض الظلم الذي حرمه الله على نفسه وجعله محرما على عباده.

ثم إذا نظرنا إلى الواقع المعاصر فإن الحكومات التي أبعدت الشريعة وحرّمت تطبيقها والمناداة بها قد ارتكبت من المظالم والمجازر ما لم يحدث مثله في التاريخ حتى في أشد عهوده ظلاما ووحشية، ومع ذلك فإن العلمانيين لم يتحركوا حركة واحدة للوقوف في وجه تلك المظالم والمجازر، بل باركوها، وأثنوا على مرتكبيها، وأضفوا عليهم"بطولات"ما أنزل الله بها من سلطان ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت