وفي الأخير يقول العلمانيون إن الزمن تجاوز"الحكومة الدينية"، وإنه لا بد لنا من اللجوء إلى"الحكومة المدنية"التي تبعد الدين عن الحياة العامة، وتجعله -في أحسن الأحوال- علاقة بين العبد والرب، محلها القلب، ولا شأن لها بواقع الحياة ..
ونحن من جانبنا نسأل: من الذي قرر ذلك؟!
والإجابة الواضحة هي أن الغرب هو الذي قرر!
فنعود فنسأل: من الإله الذي يؤلهه الغرب، ويخضع لتوجيهاته: الله أم الإنسان؟
والإجابة الواضحة هي أن الغرب في ضلالته الحالية قد أله الإنسان بدلا من الله!
وبصرف النظر عن الظروف السيئة التي أدت إلى ظهور هذا المرض الخبيث في الغرب، فهل نحن قررنا أن نؤله الإنسان مثلهم بدلا من الله؟
فإذا قلنا إننا ما زلنا نؤله الله سبحانه وتعالى، كما ينبغي لنا أن نفعل، فهل أذن الله لنا أن نتخلى عن شريعته ونتبع غيرها، أم قال لنا سبحانه:
(اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء) (سورة الأعراف الآية: 3) .
وهل قال لنا الله أو رسوله: طبقوا الشريعة الربانية حتى سنة كذا، فإذا جاء القرن العشرون الميلادي فقد أحللتكم من تطبيق الشريعة، وشرعوا أنتم لأنفسكم، فأبيحوا الربا وأبيحوا الزنا وأبيحوا الخمر وأبيحوا كل ألوان الفاحشة بقرارات من هيئة الأمم، وأبيحوا في السياسة العالمية شريعة الغاب: القوي يأكل الضعيف أو يزيحه من الطرق، وأبيحوا للملحدين أن يلحدوا، وللفجار أن يفجروا، وللعراة أن يتعروا باسم الحرية الشخصية وباسم الديمقراطية وباسم العلمانية وباسم الإبداع وبكل اسم غير اسم الله؟!
إن المسلم ليس مخيرا في ترك الشريعة:
(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ) (سور الأحزاب الآية: 36) .
ولن يحتفظ المسلم بإسلامه إذا رضى بشريعة غير شريعة الله:
(فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (سورة النساء الآية: 65) .
(فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا) (سورة النساء الآية: 59) .
(وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ) (سورة النور الآيتان: 47 - 48) .
(إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (سورة النور الآية: 51) .
"إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم، ولكن من رضى وتابع [1] " [2] .
بقي أن نقول كلمة عن الواقع السيء الذي تعيشه الأمة في واقعها المعاصر.
إن المسلمين اليوم في معظم بلاد العالم الإسلامي عاجزون عن تحكيم شريعة الله. ولكن عجزهم عن التطبيق شيء، والقول بأن الزمن قد تجاوز حكم الدين، أو أن على المسلمين أن يجاروا"التطور"الذي حدث في الأرض، وأن يتخلوا عن تحكيم الشريعة لأن هذا الأمر لم يعدله مجال في العالم الحديث .. هذا شيء آخر!
(1) - يعني أن من رضي وتابع فلا برىء ولا مسلم.
(2) - رواه مسلم.