الصفحة 34 من 47

وقد كانت الثورة الفرنسية إحدى تلك المراحل، كما كانت الثورة الصناعية وما أحدثت من رجات عنيفة في المجتمع الأوربي مرحلة من المراحل، وكذلك كانت الثورة الداروينية، وأخير ثورة المعلومات. في الثورة الفرنسية تقررت الديمقراطية التي كان من شعاراتها Laissez-faire، دعه يفعل (ما يشاء) بما في ذلك حق الإلحاد والفساد الخلقي .. وفي مكان آخر تحدثنا عن دور اليهود في إدخال هذا الشعار على الثورة الفرنسية وهدفهم منه [1] ، ولكنا هنا نشير إلى التسلسل الزمني الذي كان في كل مرة يضيف"حقوقا"جديدة للفرد تزيد من حريته في الخروج على الأوضاع القائمة في بيئته ومجتمعه.

وفي الثورة الصناعية -ولا ننسى دور اليهود فيها [2] - تحطمت أوضاع بكاملها كانت السيادة فيها لطبقة النبلاء وطبقة رجال الدين، واستحدثت طبقات جديدة: طبقة أصحاب رءوس الأموال، والطبقة الوسطى المتعلمة"المتحررة"وطبقة العمال. وعمل اليهود على إفساد الطبقات الثلاث من خلال المزيد من الحرية الفردية، والمزيد من تحطيم تقاليد المجتمع، والمزيد من تقليص دور الدين، ومن خلال"تحرير المرأة"وإخراجها من بيتها إلى الطريق لتعمل، وتتكسب، وتَفسُد وتُفْسِد [3] !

وفي الثورة الداروينية تحطم ما كان قد بقي من نفوذ الدين بإلغاء دور الخالق في الخلق، ونسبته إلى"الطبيعة"، وتحطم معه ميزان القيم المستمدة من الدين، واستبدلت بها قيم نفعية -"براجماتية"كما يسمونها"لا تحسب حسابا للمعيار الديني أو المعيار الأخلاقي للتصرفات، إنما تنظر إليها من جانب ما تحقق من النفع أو الضر بمقياس الفرد الذي يريد أن"يستمتع"بأكبر قدر من المتاع."

وجاءت أخيرا ثورة المعلومات فزادت في العيار الأخير .. عيار الاستمتاع بأكبر قدر من المتاع.

كيف نقوّم دور"المفكر الحر"في هذه الأطوار المتعاقبة؟

لقد تقرر في الأخير حقه كاملا في الوجود، والتعبير عما يريد، وبالأسلوب الذي يراه معبرا عما يريد.

فهل كان موقفه صوابا خالصا، أم خطأ خالصا، أم مزيجا من الصواب والخطأ؟ وإن كان مزيجا من الصواب والخطأ فأيهما كان الغالب على موقفه: الخطأ أم الصواب؟

ويجب أن نضع في حسابنا ابتداء أن المعركة -سواء كانت مع الكنيسة أو الجماهير- كانت تدور في النهاية بين بشر وبشر، بشر يدّعون -أو يدعي فريق منهم- أنهم ظل الله في الأرض، وأن كلمتهم هي كلمة السماء، وبشر يرفضون الخضوع لهم ولمقولاتهم، ولو قالوا إنهم يمثلون كلمة السماء!

وهذا أمر نرى له أهمية كبيرة في قضيتنا .. نقرره هنا ابتداء ثم نعود إليه بالتوضيح.

لقد كان في مقولات الكنيسة حقائق وأباطيل ..

كان إيمانها بوجود الله، وإيمانها بالبعث والنشور، وإيمانها بأن غاية الوجود الإنساني في الحياة الدنيا هي عبادة الله .. كان هذا كله حقا وصوابا من حيث المبدأ، بصرف النظر عن انحرافات التأويل.

ولكنها إلى جانب ذلك كانت تمارس كثيرًا من الخطأ، وتتبنى كثيرًا من الأباطيل.

فادعاء العصمة لبشر من البشر غير الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، سواء كان ذلك البشر هو بطرس، أو"قداسة البابا"، أو أيا كان، كان خطأ ما أنزل الله به من سلطان.

وكان حجرها على العقل أن يفكر، لئلا يفكر في بعض مقولات الكنيسة التي لا سند لها من الدين الصحيح، وتشديدها في هذا الأمر، واتهام كل من يناقش شيئا من ذلك بالهرطقة والإلحاد .. كان هذا خطأ ما أنزل الله به من سلطان.

(1) - انظر إن شئت فصل"دور اليهود في إفساد أوربا"من كتاب"مذاهب فكرية معاصرة".

(2) - انظر الهامشة رقم (1) في الصفحة السابقة.

(3) - انظر الهامشة رقم (1) في الصفحة السابقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت