وكانت إقامة محاكم التفتيش، وتعذيبها الناس إلى حد حرقهم أحياء بمجرد الظنة دون دليل حقيقي، خطأ ما أنزل الله به من سلطان.
وكان تحريقها العلماء لأنهم نادوا بأفكار علمية تخالف ما تتبناه من أفكار حول شكل الأرض ومركزها من الكون، خطأ ما أنزل الله به من سلطان.
بالإضافة إلى فساد رجال الدين، ويبع صكوك الغفران، والبذخ الفاجر، والوقوف ضد حركات الإصلاح، ومساندة الظلم السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وإضفاء الشرعية المزيفة عليه بأنه يمثل إرادة الله، وأن مقاومته أو عدم الرضا به تمرد على إرادة الله ..
وهنا كان"المفكر الحر"على صواب في حربه ضد الكنيسة ورجالها، والمطالبة بحقه في مهاجمتها، وتقليص نفوذها، ورفع يدها عن التدخل في أمور الحياة.
ولكن خطأه الأساسي كان أنه يتحرك حركة انفعالية، هي رد فعل للمظالم القائمة، فيتطرف في الجانب المقابل، فلا يكتفي بتفنيد ما تدعيه الكنيسة من الأباطيل وما تمارسه من الأخطاء، بل ينكر حتى الحقائق الثابتة لمجرد كونها صادرة عن الكنيسة! وهو موقف لا"عقلانية"فيه، وإن زعم أنه يقوم به تحت راية"العقلانية"!
أما موقف الجماهير فقد كان بدوره يشتمل على حقائق وأباطيل ..
فإيمانهم بالله واليوم الآخر، وإيمانهم بأخلاق تحكم حياة الإنسان، وإيمانهم بوجوب تقديس الله وتوقير أنبيائه، وإيمانهم بوجوب المحافظة على الأسرة، وتربية الآباء للأبناء .. كان هذا كله حقًا وصوابا من حيث المبدأ، بصرف النظر عن انحرافات التأويل.
ولكن استسلامهم للظلم والذل كان خطأ ما أنزل الله به من سلطان.
واستغراقهم في الجهل -بلا علم ولا تعلم- كان خطأ ما أنزل الله به من سلطان.
واعتقادهم بقداسة رجال الدين، واتخاذهم وسطاء بينهم وبين الله كان خطأ ما أنزل الله به من سلطان. وتحقيرهم للمرأة، والنظر إليها على أنها كائن أقرب إلى الحيوان منه إلى الإنسان، كان خطأ ما أنزل الله به من سلطان. وعدم تقبلهم لأي تغيير ولو كان صالحا كان خطأ ما أنزل الله به من سلطان.
وهنا كان"المفكر الحر"على صواب في حربه معهم، والمطالبة بحقه في الخروج على منهج تفكيرهم ومنهج حياتهم، ودعوتهم إلى تغيير ما هم عليه من سلبية وجمود.
ولكن خطأه الأساسي هنا أيضا كان أنه يتحرك حركة انفعالية، فلا يكتفي بمحاولة تصحيح الأخطاء، سواء أخطاء الفكر أو السلوك، وإنما يدعو إلى التغيير الشامل لكل شيء، بما في ذلك الدين والأخلاق، والتقاليد التي تمنع هبوط الإنسان إلى درك الحيوان.
إلى أن تقرر للمفكر الحر حقه الكامل في شرعية الوجود، وشرعية التعبير عما يريد، بالأسلوب الذي يراه معبرا عما يريد، كان المفكر الحر هو"الآخر"بالنسبة للمجتمع، وكان حقه واضحا في دعواه على الرغم من الشطط الذي كان واقعا فيه، والذي لا يبرره كل ما كان يدعو إليه من الحق والصواب. وأدى ذلك المفكر الحر دورًا إيجابيًا في إخراج الناس من الظلمات التي كانوا يعيشون فيها إلى كثير من النور، وإن كان مأخذنا عليه أنه قادهم إلى ظلمات من نوع جديد!
واليوم يعتقد العلمانيون في العالم الإسلامي أنهم يمثلون دور ذلك"المفكر الحر"الذي يخرج أمته من الظلمات إلى النور .. ودور ذلك"الآخر"الذي ينبغي الاعتراف له بشرعية الوجود.
وهنا الوهم الكبير الذي يقع فيه العلمانيون.
ونحن -من أجل البحث- نفترض فيهم الإخلاص الكامل وتوفر حسن النية، ولكن الإخلاص وحسن النية شيء، واستقامة الفكر شيء آخر، ولا علاقة بينهما! فقد يوجدان معا، وقد يوجد أي منهما دون الآخر!