الصفحة 36 من 47

ونبدأ فنقول: إن"الآخر"الذي يخالفنا في الرأي في إطار الإسلام، لا تحريج عليه في الواقع التاريخي للأمة الإسلامية، وإلا فكيف وجدت المذاهب المختلفة؟ وكيف اختلف الفقهاء فيما بينهم؟ وكيف صار للخلاف قواعد تدرس لطلاب العلم؟ وكيف قال من قال من علمائنا: قلوان صواب يحتمل الخطأ، وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب، وتك قمة النزاهة العلمية وموضوعية البحث، إذ يعتقد العالم أنه على صواب ولكنه لا يصادر احتمال الخطأ، ويعتقد أن غيره مخطئ ومع ذلك يعطيه احتمال الصواب!

ومن ثم لا يكون"للآخر"شكوى، ولا تكون له قضية يثيرها في المجتمع المسلم. وذلك منشؤه أنه لا توجد في دين الله كنيسة ولا رجال دين، فلا يوجد من ثم من يحتكر الصواب وحده. ويؤمن المسلم أن الكمال لله وحده، والعصمة لرسوله صلى الله عليه وسلم، وكل إنسان يستطيع أن يظن في دخيلة نفسه أنه على صواب، ولكنه حين يحاجج الآخرين مطالب بإبراز الدليل، ولا قيمة لدعواه إن لم يقم عليها الدليل .. والواقع التاريخي للأمة الإسلامية هو مصداق هذه الحقائق جميعا، وقد وقع الاختلاف في الرأي منذ وفاة الرسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة سواء في حادث السقيفة أو في محاربة المرتدين أو غيرهما من المواقف، ولم ينكر المسلمون على بعضهم البعض مبدأ الاختلاف. وإن اشتد النقاش بينهم في أمور. وما كانت الشورى لتكون قاعدة أساسية من قواعد المجتمع المسلم ينص عليها القرآن نصا لو أن الخلاف في الرأي كان غير جائز! وإلا فما مجال الشورى إذا كان الرأي تفرضه جهة معينة فيلتزم به الجميع؟!

نعم .. ولكن!

إن العلمانيين لا تعنيهم هذه الحقائق كلها ولا تشبع تطلعاتهم ..

إنهم يطالبون بشرعية الوجود لمن يحمل اسما مسلما ويريد أن يكون فكره أو سلوكه خارج إطار الإسلام (وإن ادعى غير ذلك!) فلا يسأل عما يفعل، ولا تصادر حريته، ويقول ما شاء له هواه أن يقول، ويفعل ما شاء له هواه أن يفعل دون تحريج، لأنه هكذا صار الأمر في أوربا حين خرجت من قرونها الوسطى المظلمة ..

ونأخذ مثالين واقعيين من أمثلة"الآخر"الذي يطالب له العلمانيون بشرعية الوجود، وحرية التعبير عما يريد، لا لأنهما المثالان الوحيدان، ولكن لأنهم أثارا ضجة كبيرة من قبل العلمانيين عند وقوعهما.

الأول فيما يسمونه"نقد النص الديني"الذي قام به نصر أبو زيد، والثاني عمل"فني!"بعنوان"وليمة لأعشاب البحر"!

ونبدأ بالحديث عن"نقد النص الديني".. وهو أمر حدث في أوربا، ويريد له العلمانيون أن يحدث في العالم الإسلامي.

قلنا أكثر من مرة إن أوربا حرة تفعل بدينها ما تشاء.

أما نحن المسلمين؟!

إننا -ما دمنا مسلمين، نشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله -فنحن نؤمن إيمانا جازما بأن القرآن كلام الله، بنصه كما أنزل، لم يتغير منه حرف، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، محفوظ بحفظ الله: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) (سورة الحجر الآية: 9) .

فمنذا الذي يزعم أنه أحكم من الله، وأعلم من الله، وأقدر على معرفة الحقائق من الله، حتى يكون من حقه أن يضع كلام الله على ميزانه، فيقر منه ما يقر، ويعترض منه على ما يشاء؟!

أيكون"مسلما"مقرا بالشهادتين حين يفعل ذلك؟ وما الفرق بينه يومئذ وبين الشيطان الذي يعرف أن ربه وخالقه هو الله، ثم يتبجح بعد ذلك فيقول إن له رأيا في شأن من الشئون يخالف أمر الله؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت