الصفحة 31 من 47

أليس العقل الأوربي هو الذي زين للثورة الصناعية أن تقوم على الربا، وبرر هذا الانحراف البشع لأصحابه بأن من حق صاحب رأس المال أن يربح، ومن حقه أن يربح بكل وسيلة ممكنة، فنشأ من ذلك ما تنبأ به بعض عقلاء الغرب أنفسهم -ولكن ممن لا حول لهم ولا طول- من تراكم الثروة في يد فئة يتناقص عددها باستمرار، وانتشار الفقر في فئة يتزايد عددها باستمرار. وتجاوز هذا الأمر أفراد البلد الواحد، فصار سمة عالمية: دول تتزايد ثروتها وسطوتها وجبروتها باستمرار، ودول تتزايد معاناتها من الفقر والضعف والقهر والتبعية باستمرار؟!

أليس العقل الأوربي هو الذي زين لأوربا الانفلات من ضوابط الأخلاق، والانغماس البشع في شهوات الجسد، وبرر ذلك بأن الضوابط الدينية والأخلاقية كوابت، وأن الكبت يورث العقد النفسية والاضطرابات العصبية، وأن السبيل إلى تفادي العقد النفسية والأمراض العصبية هو الانطلاق بلا قيود؟!

أليس العقل الأوربي هو الذي زين لأوربا استعمار البلاد الضعيفة ونهب خيراتها وإذلال أهلها وإخضاعهم لمصالحها، وبرر ذلك بأنه حق المتقدم على المتأخر، وحق العالم على الجاهل، وحق المتحضر على المتخلف، وحق القوي على الضعيف؟!

للعقلانية جوانب مضيئة ولا شك، ولكنها في وضعها الحالي، المتفلت من ضوابط الدين، بل الساعي إلى إحلال العقل محل الدين، تمارس من السيئات أكثر مما تمارس من الحسنات، ومن الانحرافات أكثر مما تمارس من الاستقامات ..

وهكذا يكون العقل حين يشب عن الطوق، ويستغني عن وصاية الله!!

إن العقل البشري في حاجة إلى ضوابط -غير ضوابطه الذاتية- تمنعه من الانحراف مع أصحاب الأهواء، ضوابط من مصدر أعلى منه وأحكم، وأعلم بحقائق الأمور ..

والعجب لقوم يريدون سيادة العقل بسفاهاته الحالية، وينكرون على الله أن تكون حكمته هي الحكمة البالغة وعلمه هو العلم المطلق، وإحاطته هي الإحاطة التامة، وكلمته هي العليا ..

وأخيرا نقول إن الأمة اليوم في أسوأ حالاتها .. وإنها بلغت حدا من السوء لم تبلغه في التاريخ. فلا هي تمارس دينها الحق ممارسة سليمة، لا هي عالجت أمراضها التي ألمت بها في مسيرتها التاريخية نتيجة بعدها التدريجي عن حقيقة دينها، ولا هي خلال ما يزيد على قرن من الزمان في محاولة الأخذ من الحضارة الأوربية قد استطاعت أن تكتسب إيجابيات هذه الحضارة -وفيها ولا شك إيجابيات كثيرة وهائلة إلى جانب السلبيات الكثيرة الهائلة- بل إنها أخذت من سلبياتها ما أضافته إلى أمراضها الذاتية، فأضافت سوءا على سوء، وتخلفا على تخلف، وضعفا وهوانا وتبعية ومذلة ..

ذلك أمر لا يجادل فيه إنسان ..

ولكن الخلاف هو فيما يختص بالعلاج الشافي من هذه الأمراض ..

وبصرف النظر عن كون العلمانيين يعيشون في أبراجهم العاجية، ينظرون في الفضاء، ولا ينزلون إلى ساحة العمل الواقعي لإخراج الأمة من واقعها السيء إلى واقع أفضل، فالقضية التي يتنازع عليها دعاة الإصلاح هي المنهج .. منهج الإصلاح.

والعلمانيون يقولون: نأخذ المنهج الأوربي ..

والله يقول: (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَاوِيلًا) (سورة النساء من الآية: 59) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت