تلك هي العقلانية الإسلامية السوية المتوازنة كما رسم منهجها خالق العقل البشري، عالم الغيب والشهادة الحكيم الخبير .. فماذا يريد عقلانيو اليوم، الذين يدعون إلى عقلانية تقوم مقام الدين، أو تزيحه لتأخذ مكانه؟!
إن أوربا في تخبطاتها تجزّئ"الإنسان"دائما، فتأخذ جانبا منه وتترك جانبا آخر.
ففي الفترة الإغريقية الأولى أخذت جانب العقل، فضخّمته حتى جعلته هو المحكم في ك ل أمر، وأهملت جانب الروج. وفي الفترة الكنسية أخذت جانب الروح وأهملت جانب العقل، بل حجرت على العقل أن يفكر، وفي الفترة الإغريقية الثانية -فترة النهضة- عادت فأخذت جانب العقل وأهملت جانب الروح، بل حجرت عليه بوصفه خرافة وتأخرا وظلاما ورجعية ..
وفي الفترة الرومانية الأولى أخذت جانب الجسد فضخمته على حساب الروح، وعنيت بجانب الجياة الدنيا فزينته وزخرفته وجمّلته وأهملت جانب الحياة الآخرة فلم تضعه في الحساب. وفي الفترة الكنسية حقّرت الجسد واعتبرته دنسا وقذارة، لتسعى -في ظنها- إلى خلاص الروح، وركزت على جانب الحياة الآخرة فأهملت الحياة الدنيا واعتبرت الانشغال بأمورها رجسا من عمل الشيطان. وفي الفترة الرومانية الثانية -في الواقع المعاصر- عادت إلى تضخيم الجسد على حساب الروح، وتضخيم الحياة الدنيا وتزيينها وزخرفتها وتجميلها مع إهمال الحياة الآخرة وإسقاطها من الحساب.
وهكذا يلاحق الخلل الحياة الأوربية في كل مرة، وتعجز عن استيعاب الكيان الإنساني المتجمع في كل مرة.
والإسلام هو الرشد ..
هو المنهج المتكامل المتوازن، الذي يأخذ"الإنسان"كله: جسمه وعقله وروحه، عمله وفكره، دنياه وآخرته، ضروراته وانطلاقاته، حسّياته ومعنوياته .. جميعها في آن.
والإسلام نزل ليعيد إقامة الإنسان في أحسن تقويم كما خلقه الله أول مرة، ويشفي ما يتعرض له من أمراض في مسيرته في الحياة الدنيا:
(لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ) (سورة التين الآيات: 4 - 6) .
(يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) (سورة يونس الآية: 57) .
فماذا يريد العقلانيون؟!
يريدون عقلانية تضع دين الله المنزل على الميزان البشري، ثم تنتقده وتقول إنه غير صالح، ثم تزيحه وتضع نفسها مكانه، كما فعلت أوربا بدينها!
وقد أشرنا من قبل في أكثر من موضع إلى ما فعلت أوربا بدينها -وهي حرة تفعل بدينها ما تشاء- وبينا أنه لا مجال للمقارنة والقياس بين تجربة أوربا مع دينها وتجربة المسلمين مع الإسلام.
ولكنا -في ختام حديثنا- نحب أن نسأل: ما هو ذلك"العقل"الذي يراد له أن يضع دين الله المنزل على ميزانه، يقول فيه ما يقول؟!
إن العقل البشري -كما يعترف العقلانيون أنفسهم- ليس حكمة مطلقة غير معرضة للخطأ في التقدير، أو الانحراف في التصور. ويكفي شاهدا على ذلك تخبط"الفلاسفة"في القديم والحديث في بحثهم عن"الحق"و"الحقيقة"واختلافهم من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار!
ثم إن العقل البشري ليس"سيدا"كما يزعم له دعاة العقلانية، إنما هو"خادم"مطيع للسيد الذي يستخدمه، فإذا استقام السيد استقام العقل معه، وإذا انحرف انحرف معه، وراح -بكل منطق- يزين له انحرافه، ويوهمه أن انحرافه هو"عين العقل"!
وانظر إلى العالم المعاصر ..