الصفحة 46 من 47

ولسنا نتحدث هنا عن الحركات الإسلامية، فأمرها مفهوم، إنما نتحدث عن عودة الناس إلى الدين في البلاد التي قادت الإلحاد، وحاربت الدين بكل أنواع الحرب، فإن عودتها إلى الدين تحمل دلالة لا شك فيها.

بل إنه وجدت في أمريكا جماعات تطالب بفصل البنات عن البنين في جميع مراحل التعليم من الروضة إلى الجامعة، ووجدت بالفعل مدارس وجامعات تلبي رغبة هذه الجماعات، وتفصل البنين عن البنات! وذلك بالإضافة إلى ما تعمد إليه بعض الأسر من تعليم أولادهم وبناتهم في المنازل home schooling صيانة لهم من مباذل الاختلاط.

وقد يستغرب الذين ظنوا أن الدين قد ذهب إلى غير رجعة، وأن عوامل الهدم التي صوبوها إليه قد قضت عليه القضاء الأخير .. قد يستغربون ما يحدث الآن في الأرض!

أما نحن فلا نستغرب!

إن الدين فطرة ..

في فطرة الإنسان أن يتوجه إلى الخالق ويعبده:

(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا) (سورة الأعراف الآية: 172) .

فإذا شردت الفطرة زمنا .. وإذا فسدت فطرة جيل من أجيال البشر أو أفسدت، فليس يترتب على ذلك بالضرورة أن يستمر الشرود، أو يستمر الفساد.

وحين يعودون إلى فطرتهم، يعودون إلى الله ..

ثم إن الدين -وحده- هو الذي يجيب على أسئلة الفطرة: من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ وكيف؟

من أين جئتنا؟ وأين نذهب بعد الموت؟ ولماذا نعيش؟ (أي ما هدف الوجود الإنساني) وكيف نعيش؟ (أي على منهج نعيش) .

وهي أسئلة تلح على الفطرة بوعي أو بغير وعي، وتبحث عن الإجابة. وإن لم تتلق إجابة واضحة تطمئن لها النفس فإنها تسبب القلق والاضطرابات النفسية والعصبية، وقد تؤدي إلى الجنون أو إلى الانتحار.

والعلم قد يجيب إجابة جزئية عن قضية من هذه القضايا، ولكنه لا يمس أهل القضية!

والفلسفة تحاول دائما أن تجيب، ولكنها -قط- ما شفت غليل البشر، وهي بطبيعتها تستعصي على فهم الغالبية العظمى من الناس، ولا يتعاطاها إلا فئة محدودة من الناس، وذلك فضلا عن كونها -خلال التاريخ- قد تخبطت وتقلبت من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار.

والترف والفسوق والفجور والانغماس في الشهوات قد يشغل الفطرة زمنا فتذهل عن أسئلتها، ولا تبحث -بوعيها- عن الإجابة. ولكن ذلك ينعكس في"اللاوعي"، في الأعماق، فيظهر في صورة قلق نفسي، أو اضطراب عصبي، يلجأ صاحبه -للهروب منه- إلى الخمر والمخدرات .. أو يلجأ إلى الجريمة!

والدين -وحده- هو الذي يجيب على أسئلة الفطرة الإجابة التي تطمئن لها القلوب:

(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (سورة الرعد الآية: 28) .

من أين؟ من عند الله. من القدر الذي قدره الله:

(وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ) (سورة الرعد من الآية: 8) .

إلى أين؟ إلى الله .. بعث ونشور وحساب وجزاء:

(أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) (سورة المؤمنون الآية: 115) .

لماذا؟ لنعبد الله وحده بلا شريك .. العبادة بمعناها الواسع الشامل الذي يشمل كل دقائق الحياة، سياستها واقتصادها واجتماعها وفكرها وأخلاقها، كما يشمل عمارة الأرض بمقتضى المنهج الرباني:

(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (سورة الذاريات الآية: 56) .

(قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ) (سورة الأنعام الآيتان: 162 - 163) .

(هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (سورة هود من الآية: 61) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت