وفي وقت من الأوقات كانت الشيوعية طودا راسخا، وخطرا داهما يهدد كل الأرض .. ثم؟! ثم أخذها الله في الموعد الذي قدره لأخذها، فكأنما لم تكن قط!
المهم في الموضوعنا أن العلمانيين عندنا يدعون إلى"الحداثة".
ومرحبا بالحداثة .. ولكن أي حداثة؟!
الحداثة -في قولهم- هي التي تدمر التراث، وتقضي عليه، وتحرر الناس من إساره، وتطلقهم ليتحرروا ويمارسوا"إنسانيتهم"كما يمارسها الغرب ..
والغرب نبذ الدين فلننبذ الدين.
والغرب أخرج المرأة من بيتها وزج بها إلى الطريق تمارس نشاطها كما يحلو لها، وليكن من هذا النشاط المخادنة والمسافحة والشذوذ .. فهذا شأنها ليس لأحد عليها سلطان .. فلنخرج نحن المرأة كما أخرجها الغرب ..
والغرب سن في السياسة الدولية قانون الغاب: القوي يأكل الضعيف .. فليكن الغرب هو الآكل ولنكن نحن المأكولين!
أما إيجابيات الغرب فلنحاول .. فإذا لم نستطع، فيكفينا التحرر من الدين، والتخلص من التراث!!
نقول للعلمانيين إن العبد المقلد لا يقدر على الإيجابيات، إنما يقدر فقط على السلبيات، لأنها لا تقتضي منه أكثر من فك الرباط! أما الإيجابيات فتحتاج إلى عزيمة صادقة، وعمل جاد، ومثابرة على بذل الجهد، وتلك كلها لا يملكها العبد المقلد، بحكم أنه عبد ..
والدليل هو تجربة ما يزيد على قرن من الزمان في محاولة تقليد الغرب، والتشبث بأهدابه، ما زادتنا إلا ضعفا ومذلة وهوانا على الناس.
ونذكرهم بقولة صادقة قالها"توينبي"المؤرخ البريطاني الشهير في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي [1] ، قال: إننا ظللنا نطارد الرجل التركي ونهاجمه لكي يترك دينه، لأنه كان ينظر إلينا من علٍ كأننا خنازير برية، فلما ترك دينه وتبعنا احتقرناه، لأنه لم يعد عنده ما يعطيه!!
وتكفي هذه القولة الصادقة لإيقاظ السادرين في الوهم، الذين يظنون أنهم إذا تبعوا الغرب في"حداثته"فسوف يحترمهم الغرب، ويعاملهم معاملة الند للند.
ونحن ندعو إلى اكتساب الإيجابيات التي تنقصنا في انتكاستنا الحاضرة، لعلنا نخرج من وهدتنا، أما أن نقلد الغرب في انتكاساته فخبل لا يقول به عاقل!
(1) - اقرأ ترجمة المحاضرة التي قال فيها توينبي هذه المقالة في كتيب بعنوان"الإسلام والغرب والمستقبل"لنبيل صبحي.