والوهم الثاني -وهو خطير كذلك- هو الظن بأن التقدم العلمي والتكنولوجي معناه أن"الإنسان"كله قد ارتقى، وأن واقع البشرية اليوم هو أعلى ما وصلت إليه البشرية في جميع العصور!
وهذا الوهم -فضلا عما فيه من جهالة بالنفس البشرية وأحوالها- ففيه كذلك جهل بالسنن الربانية التي يجريها الله سبحانه وتعالى في حياة البشر.
نستطيع أن نسلم بصفة عامة أن هناك في حياة البشرية خطا صاعدا باستمرار، هو خط العلم وما يصاحبه من تقدم في استخدام الأدوات .. فالصعود المستمر في هذا الخط له ما يسنده من طبيعة النفس البشرية ذاتها كما خلقها الله. ففي فطرة الإنسان أن يسعى إلى التعرف على ما حوله من الموجودات، وأن يستخدم معرفته في تحسين أحواله المعيشية، تحقيقا لما سخره الله للإنسان من أدوات في ذات نفسه، وطاقات في السماوات والأرض ..
(وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (سورة النحل من الآية: 78) .
(وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ) (سورة الجاثية الآية: 13) .
أما الصعود النفسي فله طريق آخر ..
ولا يقول دارس واحد للتاريخ إن البشرية سارت -من الوجهة النفسية والأخلاقية- في خط واحد صاعد باستمرار، إنما هو خط متذبذب -دائما- بين الصعود والهبوط، حسب معتقدات الناس وأفكارهم وما يتواضعون عليه من معايير لضبط سلوكهم.
بل إن التقدم العلمي والتكنولوجي قد ينقلب وبالا على أهله إذا أدى بهم إلى الترف والانحلال الخلقي، لأنه -مع صعوده في ذاته- يحل في نفوس هابطة، فيهبط معها إلى الحضيض.
والشاهد هو التاريخ ..
وإذا كان الغرور قد أدى بجيل من البشرية إلى الظن بأنه فريد في التاريخ، وأنه خرج من نطاق السنن الربانية التي يجريها الله في حياة البشر، وأنه يصنع نفسه بنفسه غير عابئ بأحد إلا ذاته .. فهذا ذاته هو حضيض الانتكاس الذي هبط إليه هذا الجيل، وهو يحسب أنه في قمة الارتفاع!
إن السنن الربانية لا تتبدل ولا تتحول ولا تجامل:
(فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا) (سورة فاطر من الآية: 43) .
وإن من سنن الله أن يملي للناس إملاء حين ينسون ما ذكروا به، ويفتح عليهم أبواب النجاح والتمكين ليزداود إثما وانحدارا حتى يصلوا إلى الهلاك .. أو يرجعوا إلى الله:
(فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ، فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (سورة الأنعام الآيتام: 44 - 45) .
(وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ) (سورة آل عمران الآية: 178) .
(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (سورة الروم الآية: 41) .
فالنجاح والتمكين في الأرض ليس في ذاته شهادة صلاحية لأصحابه، لأن الله يعطي الدنيا للمؤمن والكافر، للمصلح والمفسد:
(كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا) (سورة الإسراء الآية: 20) .
وليس النجاح والتمكين في الأرض في فترة من الزمن مهما طالت ضمانا للاستمرار:
(وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ) (سورة الحج الآية: 48) .