وجاء دارون بنظريته التي أكد فيها حيوانية الإنسان وماديته، فتلقفها اليهود، ونشروها في الآفاق، وهم يدركون آثارها السامة بالنسبة إلى العقيدة، إذ تؤله"الطبيعة"بدلا من الله، وتنسب إليها الخلق، وتزعم أن الله لا دخل له بالخلق ولا التدبير، إضافة إلى رد الإنسان إلى أصل حيواني، لا مكان فيه للدين ولا القيم ولا الأخلاق.
وقال دارون فيما قال: survival of the fittest، وترجمتها بالنسبة إلى نظريته في التطور أن البقاء للأنسب، أي للذي يؤهله وضعه العضوي والوظيفي للبقاء حين تتغير الظروف الجيولوجية، بصرف النظر عن موقعه في سلم التطور، وإلا فقد بقي الصرصار وهو من أدنى المخلوقات وانقرض الديناصور وهو أرقى منه مئات أو آلاف المرات.
ولكن الرأسمالية حورت كلام دارون فجعلته"البقاء للأصلح"، ثم قالت إنها هي الأصلح بمقتضى أنها هي المسيطرة! ولما كانت هذه الرأسمالية -اليهودية أساسا- عدوة للدين والأخلاق والتقاليد، فقد صار"الأصلح"هو الأبعد عن الدين والأخلاق والتقاليد!
وفي الوقت ذاته كان هناك تحول سياسي وحربي هائل يحدث في الأرض، نتيجة الضعف المتزايد للعالم الإسلامي، الذي أغرى الصليبية الأوربية بالانطلاق لاحتلال العالم الإسلامي ونهب خيراته، وكان من نتيجة الاستعمار الغربي ونهب الخيرات أن زادت أوربا ثراء بشكل فاحش، ومكنها ثراؤها -المسلوب من دماء المسلمين- من رفع مستواها الاقتصادي والتنعم بخيرات الأرض، وجاءها هذا الثراء كله وهي بعيدة عن الدين، فزاد من إحساسها أن البعد عن الدين يجلب الثروة ويجلب الرخاء ويجلب النعيم في الأرض [1] .
وأخيرا جاءت ثورة الاتصالات وثورة المعلومات -واليهود أساطينها- لتغرق الناس عن طريق القنوات الفضائية في حمأة من الدنس لا مثيل لها في التاريخ، في الوقت الذي تقدم إلى الناس خدمات مذهلة تأخذ بالألباب .. واقترن الأمران معا، التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل مع الفساد الخلقي الذريع، مع أنه لا صلة لأحدهما بالآخر على الإطلاق، وصار في حس الناس أن أساس التقدم كله -وفي جميع المجالات- هو نبذ الدين.
تلك -في أوربا- هي قصة"الحداثة"..
مرتفعات شاهقة ومنحدرات سحيقة!
والإشكال في العقلية الأوربية هو الربط بين المرتفعات والمنحدرات كأنها حزمة واحدة مترابطة لا ينفصل بعضها عن بعض، وكأنما تلك المنحدرات من مستلزمات تلك المرتفعات.
وهو وَهْمٌ بطبيعة الحال، لا يثبت أمام العقلانية المدعاة! بل هو مجموعة أوهام ..
الوهم الأول والأكبر أن هذا التقدم لم يكن ممكنا مع وجود الدين.
لو قالوا إنه لم يكن ممكنا مع وجود الكنيسة بحالتها التي كانت عليها، وسطوتها التي كانت لها .. لو قالوا ذلك لكانوا صادقين كل الصدق، وعاقلين كل العقل .. أما إطلاق القول، والظن بأن الدين -أي دين وكل دين- هو عائق عن التقدم، ففضلا عما فيه من سوء الأدب مع الخالق منزل الدين، وسوء التعامل مع الفطرة -والدين مركوز فيها- فهو مخالف لواقع تاريخي ضخم، امتد في الزمان عدة قرون، وامتد في المكان من المحيط إلى المحيط. وإغفال هذا الواقع لمجرد أنه واقع قوم آخرين وليس واقعا أوربيا أمر مجاف للعقلانية السوية من جهة، وغرور مرذول من جهة أخرى لا يليق بالإنسان الراشد، الذي"شب عن الطوق"كما يزعمون لأنفسهم.
(1) - قد يستغرب الناس لأول وهلة أن تكون حملة الاستعمار الغربي على العالم الإسلامي حملة صليبية، في الوقت الذي يرون فيه بعد الناس في أوربا عن الدين .. ولا غرابة في الواقع، فقد أهملت أوربا دينها، ونبذته من حياتها الواقعية، ولكنها لم تنس قط حقدها الصليبي على الإسلام .. ولا علاقة لهذا الحقد بالتدين، وإن كان مبعثه في الماضي كان هو الدين!