الصفحة 25 من 47

وكانت تقول بوجود يوم آخر .. وهذا حق.

وكانت تقول بالبعث والحساب .. وهذا حق.

وكانت تقول بأن المصدر الذي يقرر للبشر حرامهم وحلالهم، وما يجوز لهم أن يفعلوه وما لا يجوز هو الله. وهذا حق من حيث المبدأ، بصرف النظر عما دست فيه الكنيسة من المخالفات حين أباحت أمورا حرمها الله كالخمر والخنزير، وحرمت أمورا أوجبها الله كالختان، وحجرت على أمور أباحها الله كالتفكير.

وكانت تقول إن الإنسان عبد لله، مهمته عبادة الله .. وهذا حق من حيث المبدأ، بصرف النظر عما دسته الكنيسة من تصورات خاطئة في مفهوم العبادة ومشتملاتها.

وكانت .. وكانت ..

ولكن فورة الغضب لم تكن عاقلة .. ومتى كان الغضب -في فورته- يخضع لميزان العقل؟!

فرت أوربا من طغيان الكنيسة، وكان معها كل الحق في فرارها من هذا الطغيان .. ولكنها لم تتوقف لتغربل مقولات الكنيسة، فتفرز منها ما هو حق فتستبقيه، وما هو باطل وخرافة فتنبذه .. بل قذفت في وجه الكنيسة بالدين كله، وقالت لها -بلسان الحال- خذي إلهك الذي طالما طغيت علينا باسمه، وحجرت على عقولنا باسمه .. وسنبحث عن إله آخر ليس له كنيسة ولا رجال دين ولا يتدخل في أفعالنا بالتحريم والتحليل!

وطال البحث .. وتعددت الآلهة. فألهت أوربا"الطبيعة"فترة من الوقت، ثم ألهت"الإنسان".

وكان"العقل"من بين تلك الآلهة التي اتجه إليها الفكر الأوربي الهارب من سلطان الكنيسة!

يقول دارون عن"الطبيعة"في كتاب"التطور": الطبيعة تخلق كل شيء ولا حد لقدرتها على الخلق [1] ! وإن كان هذا لم يمنعه أن ينفى الحكمة عن إلهه الذي ابتدعه، فقال: الطبيعة تخبط خبط عشواء [2] !

ويقول جوليان هكسلي في كتاب"الإنسان في العالم الحديث": إن الإنسان كان يخضع لله في الماضي بسبب عجزه وجهله، والآن وقد تعلم وسيطر على البيئة، فقد آن له أن يأخذ على عاتق نفسه ما كان يلقيه من قبل في عصر العجز والجهل على عاتق الله، ومن ثم يصبح هو الله!

ويتكرر على ألسنتهم أن الإنسان قد شب عن الطوق ولم يعد في حاجة إلى وصاية الله!

أما تأليه العقل فقد جاءت لوثته من بعث التراث اليوناني الذي كان يجعل العقل هو المحكّم في الأمور كلها، سواء ما يدخل في اختصاصه أو مع يعجز عن إدراك كنهه ولكنه يقحم نفسه فيه إقحاما كقضية الألوهية، وما قاله فلاسفتهم في وصف الإله شاهد على تخبطاتهم في هذا المجال ..

وكان اندفاع أوربا إلى العقلانية محموما لا يقف عند الحد"المعقول"!

كان انتقاما من قرون الحجر على العقل، الذي مارسته الكنيسة في إبان سطوتها، فكان أول ما اتجهت إليه هذه العقلانية هو الكنيسة ومقولاتها .. لا لمناقشتها في"تعقل"كما ينبغي للعقلانية السليمة أن تفعل، ولكن لتخطئتها والتنديد بها والدعوة إلى نبذها!

وهكذا ولدت العقلانية الأوربية من لحظتها الأولى في خصام مع الدين، لا لأن الدين -في حقيقته العلوية- خصم للعقل، ولكن لأن الكنيسة حجرت -باسم ذلك الدين- على العقل أن يفكر، ومارست هذا الحجر بفظاظة تفوق الحد .. فهي إذن قضية"انفعالية"بحتة، وإن لبست زي العقل لتستر ما هي عليه من اندفاع!

ثم مرت تلك العقلانية في أطوار زادت من بعدها عن الدين وخصامها له ..

اكتشف نيوتن قانون السببية .. وكان هذا بالنسبة إلى أوربا حدثا ضخما رجّ مفاهيمها رجًا، وكانت رجته الكبرى في مجال الدين!

في السابق لم يكن لدى الكنيسة ورجالها"علم"بالمعنى المعروف. إنما كانت إجابتها عن أي شيء في هذا الكون أنه هكذا خلقه الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت