الصفحة 26 من 47

وكون الله قد خلق كل شيء على هيئته التي يراها الإنسان هو حق في ذاته .. ولكن هذه الإجابة تبقي الأشياء غامضة في ذهن الإنسان لا تفسر شيئا من حركتها ولا تحولاتها ولا أسباب وقوعها .. فلما اكتشف نيوتن أن هناك أسبابا وراء كل ذلك، كان اكتشافه صدمة للتصور الأوربي، هزته من الأعماق. وفي اهتزازته لم يدرك أنه لا تناقض بين الحقيقتين: كون هناك أسبابا وراء حركة الأشياء وتحولاتها وكون الله سبحانه وتعالى قد خلقها على هذا النحو الذي تتحرك به وتتحول .. وأدى هذا الموقف"بالعقل"الأوربي المنفعل بقانون السببية أن جعل السببية بديلا من الله، وجعل العلم بديلا من الدين! وصارت العقلانية"عقلانية علمية"معادية للدين.

ثم أخذ العلم جولته، بعد تطبيق المنهج التجريبي في البحث العلمي، الذي أخذته أوربا عن المسلمين، فحظا خطوات واسعة، وكشف كشوفا لم تكن تخطر على البال، وفتح أبوابا من المعرفة كانت مغلقة من قبل، بل لم يكن أحد يعلم أن لها بابا يولج إليها منه، فزادت فتنة أوربا بالعلم .. العلم التجريبي خاصة. وتحولت العقلانية مع تلك الفتنة إلى عقلانية تجريبية، لا تصدق إلا ما تثبته التجربة، وتنفي ما عدا ذلك أو تسقطه من الحساب، فنفت الوحي والنبوة، والبعث والحساب، لأنها أمور لا تخضع للتجربة العملية، بل خطت خطوة أجرأ، فنفت وجود الله! وزاد هذا مسافة الخلاف والعداء بين العقلانية والدين.

ولكن عاملا آخر -خفيا- كان يعمل من وراء ستار ليزيد مساحة الخلاف والعداء بين العقلانية والدين، إلى الحد الذي يبرز العقلانية في النهاية بديلا من الدين.

وقد يكون المفكرون الأوربيون أنفسهم على وعي بهذا العامل الخفي أو لا يكونون .. ولكنهم في النهاية متأثرون به سواء وعوه أم لم يعوه ..

هذا العامل الخفي هو اليهود ..

في تصريحين متماثلين، وإن كان بينهما فترة من الزمن، كشف اثنان من كبار اليهود عن هذا العامل الخفي، وبينا مَنْ وراءه، والمهمة التي يؤديها.

قال لنين في بحث مختصر بعنوان (حل المشكلة اليهودية) : إنه طالما كان هناك دين، وكان هناك تفريق بين البشر على أساس الدين فسوف يظل يقع تمييز مجحف على اليهود [1] . ولكن إذا ألغينا الدين، واتخذنا العقلانية بدلا منه، فإن عقل اليهودي مثل عقل غيره من البشر، وعندئذ سيزول التمييز المجحف الواقع على اليهود، ويعيش اليهود في المجتمعات التي يعيشون فيها بغير تمييز!

ثم قال سارتر في كتاب عنوانه بالفرنسية Reflexions sur la question juive ( أي تأملات في المسألة اليهودية -أو المشكلة اليهودية) [2] : إن اليهود متهمون بثلاثة أمور: جمع الذهب، ونشر العقلانية في مواجهة الوجدان الديني، وتعرية الجسد البشري. ثم قال إن التهم صحيحة! وراح يحاول تبريرها بالنسبة لليهود بتبريرات سخيفة، ولكن يهمنا منها هنا ما قاله بشأن العقلانية، إذ ردد ما قاله لنين من قبل وإن لم يشر إليه، قال: إنه طالما كان هناك دين فسيقع تمييز مجحف على اليهود، لأن الناس ستشير إلى اليهودي وتقول: هذا يهودي! فيقع على اليهود تمييز مجحف، ولكن إذا ألغينا الدين، واتخذنا العقلانية بدلا منه، فعندئذ لن يقع ذلك التمييز المجحف على اليهود، وسيعيشون في المجتمعات التي يعيشون فيها بغير تمييز، ومن أجل ذلك يقوم اليهود بنشر العقلانية في مواجهة الوجدان الديني.

(1) لم يقل لنين ولا غيره ممن يدافعون عن اليهود لماذا يقع هذا التمييز المجحف عليهم! لماذا يكرههم الناس؟ أمن أجل لطف معاشرتهم ودماثة أخلاقهم وحسن تعاملهم مع الآخرين أم بسبب نقيض ذلك كله؟

(2) - ترجم هذا الكتاب إلى الإنجليزية بعنوان"أعداء السامية واليهود Anti-Semite and Jew"، وقد قرأته بالإنجليزية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت