الصفحة 27 من 47

وإذا كانت العقلانية الأوربية قد ولدت من أول لحظة معادية للدين، فلا شك أن هذه العوامل كلها قد زادت عداءها للدين، ولا شك أن ذلك العامل الخفي كان من أكثر العوامل فاعلية في إقامة الصراع بينها وبين الدين، الذي ينتهي باستخدامها سلاحا يحارب به الدين!

في الإسلام .. لا شيء من هذا كله!

لا يوجد صراع بين الدين والعقل، ولا رجال دين يحجرون على العقل أن يفكر، ولا أصحاب عقل يخاصمون الدين!

إن الإنسان يخاطب"الإنسان"كله، عقله ووجدانه في آن.

وقد يركز مرة على مخاطبة عقله في الموقف الذي يحتاج إلى التفكر أكثر، ويركز مرة على مخاطبة وجدانه في الموقف الذي يحتاج إلى تحريك الوجدان أكثر، ولكنه لا يجزّئه في أية لحظة ليخاطب جزءا منه وينفي الآخر! بل يخاطبه في كل مرة مجتمعا كما فطره الله، لأن فاطر الفطرة هو منزل الدين:

(فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (سورة الروم الآية: 30) .

في قضية الألوهية خاطبه مجتمعا: عقله ووجدانه في آن:

(قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاء فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ، أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ، أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ، أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ، أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) (سورة النمل الآيات: 59 - 64) .

فبينما يحرك وجدانه بمشاهد الكون من جهة، وبممارسات الإنسان الحياتية من جهة أخرى، يحرك عقله ليتملى هذه المشاهد وهذه الممارسات ليدرك ما وراءها من قدرة الله القادرة التي لا يشاركه فيها أحد، والتي تؤدي إلى الاقتناع -العقلي- بأنه لا إلا إله إلا الله، فيجتمع الاقتناع العقلي والاقتناع الوجداني معًا ليؤسسا في النفس هذه القضية الكبرى التي هي أساس كل شيء. وينتهي سياق الآيات بهذا التحدي للعقل المنكر- إن بقي منكرا بعد هذه الشواهد كلها- فيقول له: هاتوا برهانكم إن كان لكم برهان يقف أمام الدلالة المستفادة من المشاهد المعروضة أو يناقضها .. وبالطبع لا يوجد برهان! فليس أمام العقل المنكر إلا التسليم .. أو التبجح المكشوف بلا برهان.

كذلك في قضية الوحي المنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم: تحداهم بالأمرين معًا: بسحر القرآن وبلاغته المعجزة من ناحية -وهذا هو الجانب الوجداني في القضية- وكذلك دعاهم أن يتفكروا في الأمر من جميع وجوهه:

(قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ) (سورة سبأ الآية: 46) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت