الصفحة 28 من 47

(وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ) (سورة العنكبوت الآية: 48) .

(قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) (سورة يونس الآية: 16) .

وهكذا تنعقد شهادة الإسلام من طرفيها: شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدا رسول الله، بإقناع وجداني وإقناع عقلي في آن واحد، فتأخذ مكانها المكين في العقل والوجدان معًا، وتستقر في نفس المؤمن لا تتزعزع بشبهة من شبهات العقل، ولا شبهة من شبهات الوجدان. ويظل القرآن الكريم يؤكد على القضية، يدخل بها من كل منافذ النفس البشرية حتى تصبح يقينا راسخا لا يساوره الشك.

ويلفت النظر فيما نحن بصدده هنا من قضية"العقلانية"كم ورد ذكر التعقل والتفكر والتدبر والتذكر في القرآن الكريم. مرات تعد بالمئات. وكلها دعوة للعقل أن يعمل ويتدبر لا أن يكف عن التفكير!

فإذا سلم العقل بأنه لا إله إلا الله، وبأن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول الله، فليس له بعد ذلك أن يجادل في النتائج التي تترتب على هذه المقدمة التي آمن بها وسلم، وإلا كان متناقضا مع ذاته!

فكون الله هو الإله الذي لا إله غيره، وكون محمد صلى الله عليه وسلم هو النبي المرسل من عند الله حقًا وصدقًا، يترتب عليه أن يكون القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم هو الكتاب المنزل من عند الله، وأنه صِدْق، وأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه هو مصدر التلقي، وأنه هو الملزم دون غيره.

فإذا جاء"عقل"بعد ذلك يقول: أنا أصدق كذا مما جاء في القرآن ولا أصدق كذا، فقد ناقض المقدمة التي سلم بها من قبل، وخرق قانون العقل ذاته .. وارتد عن مقتضى الإيمان.

وإذا جاء"عقل"آخر يقول إن التشريع الفلاني، الوراد في القرآن،"غير معقول"، أو إنه كان معقولا في فترة معينة ولم يعد معقولا اليوم، فقد جعل من نفسه إلها مع الله، بل جعل من نفسه إلها من دون الله، وكفر بالمقدمة التي آمن بها من قبل وهي أنه لا إله إلا الله، وزعم لنفسه أنه أحكم من الله، وأعلم من الله، وأوسع إحاطة من الله!

ومن ثم فإن العقل المؤمن لا يقع صراع بينه وبين الدين الذي أنزله الله، لا لأن الدين يمنعه من التفكير أو يحجر علي أن يفكر كما فعلت الكنيسة .. ولكن لأن إيمانه يوفر عليه الصراع ..

أما إذا لم يؤمن أصلا بأنه لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله .. فهذا شأنه، وهو منطقي مع نفسه في ضلالته حين يقول أصدق كذا ولا أصدق كذا، أو أخذ بكذا ولا أخذ بكذا. أما إذا أقر بالشهادتين، فلا مجال عنده لهذا التناقض الذي يصدر عن العقلانيين الذين يزعمون أنهم مؤمنون، ثم يقولون في دين الله ما يقولون!

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا) (سورة النساء الآية: 60) .

(فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (سورة النساء الآية: 65) .

وفي دين الله الصحيح يُدْعى العقل للعمل بكل طاقته، وفي جميع المجالات السوية التي خلق من أجلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت